قوله تعالى :
[ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 11 إلى 13 ]
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 11 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 12 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 13 )
وقوله - عزّ وجل - :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
.
قال بعضهم :
بِإِذْنِ اللَّهِ
يعني : بأمر الله ، وهو قول الحسن .
وقال بعضهم :
بِإِذْنِ اللَّهِ
يعني : بعلم الله .
وقال بعضهم :
بِإِذْنِ اللَّهِ
يعني : بمشيئة الله .
ولكل من ذلك وجه :
فأما من قال : بأمر الله ، فمعناه وحجته : أن هذه المصائب كلها عقوبات ؛ ألا ترى إلى قوله :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] .
ومعلوم أن جزاء ما كسبت يده عقوبة له ، والتعذيب والعقوبة إنما يكون بأمر الله ؛ فلذلك قال : معنى قوله :
بِإِذْنِ اللَّهِ
أي : بأمر الله .
لكن عندنا هذا يرجع إلى ما يصيبهم من أيدي الخلق ، كقوله تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ التوبة : 14 ] ، وقوله :
هَلْ تَرَبَّصُونَ . . .
. إلى قوله :
أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا
[ التوبة : 52 ] ونحو ذلك ، وهذه المصائب لا تحتمل [ تأويلا للأمر ] « 1 » من الله تعالى .
ومن قال : بعلم الله ، فوجه ذلك : أن هذه المصائب فيها إهلاك العبيد ، وفي الشاهد أنه لا يحب أحدا أن يعلم بما فيه هلاك عبيده وخدمه ، فأخبر - عزّ وجل - أن هذه المصائب وإن كان فيها هلاك عبيده فإنما يكون ذلك بعلمه ، وأن هلاكهم لا يضره ، ولا ينقص من ملكه ؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أنشأ ما أنشأ من الخلائق لحاجة لهم ، ولمنفعة ترجع إليهم ومضرة تلحقهم ؛ فحلول ما يحل بهم من المصائب لا يضره ولا ينفعه [ لذلك كان علمها ما ذكر ] « 2 » .
ومن قال : بمشيئة الله وإرادته فوجه ذلك : أن الله تعالى وعد وأوعد ، ولا محالة يريد من عبيده ما يكون بوعيده عادلا وأن يضع وعده موضعه ، وإذا كان كذلك ثبت أنه يريد من كل أحد ما يعلم أنه يكون منه ؛ لأنه إذا خلق النار ، وأوعد عليها ، فلو أراد من كل منهم الطاعة ، لكان إذا أحرق بالنار أحرق من أراد منه الطاعة فدخل في حد الجور ، ولو كان
هامش
( 1 ) في أ : الأمر .
( 2 ) في ب : لذلك على ما ذكر .