أفعال لكان يقع منها الإضلال ؛ فنسب « 1 » إليها الإضلال ؛ للوجهين اللذين ذكرناهما ؛ فكذلك النذارة أضيفت إلى النار هاهنا ؛ لأنه عند ذكرها تقع النذارة ؛ فأضيفت إليها لذلك .
أو خلقها على هيئة لو كانت من أهل النذارة ، لكانت نذيرة ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
:
قيل : هو على التهديد كقوله :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] ، وذلك إنما يكون على إثر المبالغة في العظات ، وتذكير عواقب « 2 » الأمور ، وقد بالغ [ في ] ذلك في هذه السورة وبين عواقب أمور العباد .
ثم قوله - عزّ وجل - :
أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
قيل : أن يتقدم إلى طاعة الله ، أو يتأخر إلى معصية الله تعالى .
والأصل : أن المرء جبل على حب المنافع لنفسه والخيرات ، وعلى بغض الشر والمضار ، ومن أحب شيئا طلبه ، ومن أبغض شيئا اجتنبه ، وهرب منه ، وإذا طلب [ شيئا ] تقدم إليه ، وإذا هرب من شيء تأخر عنه ؛ فكنى عن الطلب بالتقدم وعن الهروب « 3 » بالتأخر ؛ فقيل في تأويل قوله - عزّ وجل - :
يَتَقَدَّمَ
أي : [ إلى ] طاعة الله ، تجدي إليه المنافع في الآخرة ، وتجلب إليه المحاسن أو يتأخر عن طاعته ؛ إذ في الإعراض عن طاعته إيقاع النفس في المهالك وأنواع الشدائد .
وجائز أن يكون قوله :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
، معناه : يتقدم ، ويتأخر بتخليق الله تعالى فعل التقدم والتأخر منه ؛ فيكون فعلا له وكسبا ؛ لوجوده في حيز قدرته ، وخلقا لله تعالى ؛ فيكون مثل قولنا ، لا حجة علينا ، في إضافته التقدم والتأخر إلينا ، والله الموفق .
قوله تعالى :
[ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 38 إلى 48 ]
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( 38 ) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ ( 39 ) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( 41 ) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 )
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ( 45 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 )
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 )
وقوله - عزّ وجل - :
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ . فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ
:
أصحاب اليمين هم الذين وصفهم الله تعالى في موضع آخر في كتابه ، وهو قوله - عزّ وجل - :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
[ الحاقة : 19 ] ، فاستثنى أصحاب اليمين من جملة
هامش
( 1 ) في ب : فنسبت .
( 2 ) في أ : العواقب فيه .
( 3 ) في ب : الهرب .