تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
والجواب عن هذا : أن هذا الذي وصفه غير مستقيم في الشاهد ؛ لأن منافع ما يفعله العباد ومضاره ترجع « 1 » إلى أنفسهم ، وليس من العقل أن يفعل المرء فعلا يعلم أنه يضره ، وأما رب العالمين فإنه لا يرجع شيء من المنافع والمضار إليه ؛ فجاز أن يخلق خلقا يعلم أنه يختار عداوته ؛ ليظهر عند الخلق أنه لا يرجع شيء من المنافع والمضار إليه بعد أن يكون في الحكمة ذلك ، والله أعلم . ثم في قوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
و
عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] و
الْوَكِيلُ
[ آل عمران : 173 ] و
بِحَفِيظٍ
[ الأنعام : 104 ] إلزام المراقبة والتحفظ والتيقظ وبيان الترغيب والترهيب ؛ لأنه إذا علم المرء أن عليه في كل ما يفعله رقيبا يتيقظ ، ولم يفعل إلا ما يرضي به ربه ، والله المستعان . وقوله - عزّ وجل - :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
. قد وصفنا أن الحق إذا جرى ذكره يصرف في كل شيء إلى ما هو أليق به ؛ فإذا ذكر في الأخبار أريد به : الصدق ، وإذا ذكر في الأحكام أريد به : العدل ، وإذا ذكر في الأقوال أريد به : الإصابة ، فلما قال :
بِالْحَقِّ
هاهنا [ فكأنه ] « 2 » أراد به : الحكمة ، كأنه يقول : خلق السماوات والأرض بالحكمة . وقال بعضهم :
بِالْحَقِّ
يعني : للحق ، وهو البعث ، فكأنهم عنوا به : أن الله تعالى لم يخلقهما عبثا بل خلقهما للعبادة . وقوله - عزّ وجل - :
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
يحتمل هذا وجهين : أحدهما :
فَأَحْسَنَ
، أي : أتقن ، وأحكم ، ومعنى ذلك : أن الله تعالى خص صور بني آدم في الاستدلال بوحدانيته وربوبيته في أن جعل في أنفسهم حقيقة المعرفة والاستدلال بأنفسهم على [ وحدانية الله ] « 3 » تعالى ، وأما غيرهم من الصور فإنما يقع الاستدلال لغيرها بما ليس لنفس تلك الصور حقيقة المعرفة والاستدلال بوحدانية الله تعالى ؛ ولذلك كان خلق صور بني آدم أتقن وأحكم ، والله أعلم . والثاني : أن يصرف الحسن إلى حسن المنظر ، ومعنى ذلك : أن الله تعالى خلق بني آدم على صورة لا يودون أن يكون صورتهم مثل صورة غيرهم من الخلائق ، فثبت أن صورتهم في المنظر أحسن صورة ، فذلك معنى قوله تعالى :
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
، والله أعلم .
هامش
( 1 ) في أ : ومضارهم يرجع . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : وحدانيته .