الأعز قد يحتمل معاني :
أحدها : الأغلب ، وإلا فهو على مثال قوله :
فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
[ ص : 23 ] ، أي : غلبني في الخصومة .
والثاني : الأقوى والأشد ، على مثال قوله - تعالى - :
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
[ المائدة : 54 ] يعني : أقوياء وأشداء .
والثالث : الأعلى الأجل ، وكذلك قوله :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] فإن كان الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل ؛ لأنهم اتبعوا الحجة بالحجج ، والكفار اتبعوا أهواءهم .
وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم .
وإن كان على القوة والشدة ، فقد كان ذلك للمؤمنين ؛ لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين ، ولكنهم لما رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة ، وللكفار « 1 » أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعا ؛ ولذلك قال ذلك المنافق :
لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
؛ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد ، توهم أنهم يغلبونهم أبدا ؛ فأظهر النفاق ، وقال عند ذلك :
لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 9 إلى 11 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 )
وقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
، واختلف فيه :
فمنهم من قال : هذه الآية في المنافقين .
ومنهم من قال : في المؤمنين .
فإن كانت في المنافقين ، فكأنه يقول : يا أيها الذين أظهرتم بلسانكم الإيمان ، لا تلهكم أموالكم [ ولا أولادكم ] « 2 » عن ذكر الله .
وإن كان في المؤمنين ، فكأنه قال : يا أيها الذين حققوا الإيمان ، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله .
هامش
( 1 ) في ب : والكفار .
( 2 ) سقط في ب .