تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
وقوله - عزّ وجل - :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
. قال أبو بكر الأصم : تأويله [ كيف ] « 1 » لا ترجون لله ثوابا فتعبدوه فيثيبكم بها ، وقد علمتم أن الخير كله في يده ، وأن الذي تعبدون من دون الله لا يملكون لكم نفعا ولا يدفعون عنكم ضرّا ؛ فجعل قوله :
وَقاراً
مكان « عبادة » ، والله أعلم . وقال غيره : [
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
، أي : ] ما لكم لا ترجون لأنفسكم عند الله منزلة وشرفا وقدرا . وقال بعضهم « 2 » : [ أي : ] « 3 » ما لكم لا تخافون عظمة الله وقدرته عليكم ؛ فتنتهوا عما نهاكم وتأتوا ما أمركم به ، وحمل الرجاء على الخوف ؛ لما قد ذكرنا أن الرجاء المطلق يقتضي الخوف والرجاء جميعا ، وكذلك الخوف المطلق يقتضي رجاء ، والله أعلم . والأشبه بالتأويل عندنا : أن الرجاء لله تعالى على مثال الغضب لله ، والحب لله ، والبغض لله ، أي : ما لكم لا تسعون سعي من يرجو ما عند الله على الوقار والهيبة ، بعد أن شاهدتم من نعم الله تعالى وإحسانه إليكم من خلق السماوات والأرض ، وتسخير الشمس والقمر ، وما ذكر من منته في الآيات التي يتلوها ؛ وذلك أن المرء إذا سعى لآخر على غير رجاء أو لم يرج أحدا ، استحقر به ، فألزمهم « 4 » نوح - عليه السلام - سعي من يرجوه على التوقير والهيبة على ما عليه العادة في الشاهد أن الساعي للملوك والكبراء على الرجاء كيف يكون منهم توقيرهم إياهم وهيبتهم منهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
. فمن حمل قوله :
لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
على حقيقة الرجاء ، فتأويله : كيف لا ترجون أن يعظم قدركم عند الله - عزّ وجل - إذا أجبتم إلى ما دعاكم إليه ، وفيما ذكر من خلقه إياهم أطوارا تذكير لهم حسن صنيعه بهم فيما قلبهم من حال إلى حال من أول ما أنشأهم إلى حالهم التي هم فيها ، فكيف لا يرجون إحسانه في حادث الأوقات إذا أقبلوا على طاعته واشتغلوا بعبادته ؟ ! وإن كان قوله - عزّ وجل - :
لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
على الخوف ، ففيما ذكر من قوله - عزّ وجل - :
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
تذكير العظمة والسلطان والقدرة ، وهو أنه دبركم في تلك الظلمات الثلاث ، ولم يخف عليه أحوالكم فيها ، بل قلبكم من حال إلى حال كيف شاء ،
هامش
( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 425 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : ما لزمهم .