وغيره ، فالمأثم بالقتل وإن زال عنه بالتوبة ؛ فإن القصاص لا يرتفع عنه .
وقوله - عزّ وجل - :
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
جائز أن يكون أولئك القوم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام ؛ فيخرج قوله :
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
مخرج الأمان لهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا ؛ إذ يكون معناه : أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى انقضاء أجلكم المسمى سالمين آمنين ، لا يتهيأ لعدوكم أن يمكر بكم .
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
، وقال في موضع آخر :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
[ الأعراف : 34 ] جائز أن يكون قوله :
لا يَسْتَأْخِرُونَ
، أي : لا يتأخرون عن آجالهم أو لا يؤخرون بما يطلبون من التأخير ؛ فيكون في هذا إياس لهم أنهم لا يؤخرون إذا طلبوا التأخير ؛ قال الله تعالى :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
[ المنافقون : 10 ] ؛ فأخبر - جل جلاله - أن الموت إذا أتاه طلب التأخير ليبذل ما طلب منه البذل قبل ذلك من التصدق والإيمان به ، فقطع عنهم طمعهم بقوله :
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها
[ المنافقون : 11 ] ، وبقوله :
لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
[ الأعراف : 34 ] ، وبقوله :
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ
.
وهذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم ؛ لأنهم يقولون بأن رجلا لو جاء وقتل آخر ، فإنما قتله قبل انقضاء أجله ، والله تعالى يقول :
لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
، والأصل : أن الله تعالى إذا علم أنه يقتل فإنما يجعل انقضاء أجله بالقتل ليس بغيره ؛ لأنه لا يجوز أن يجعل انقضاء أجله بموته حتف نفسه ، ثم ينقضي أجله بغير ذلك ؛ لأنه « 1 » لو جاز ذلك « 2 » لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب ، والجهل بالعواقب يسقط الربوبية ، ويثبت الجهل .
وقوله - عزّ وجل - :
لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
.
أي : لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء آجالكم ، لكنتم تبذلون للحال ما أريد منكم ؛ لئلا يحل بكم العذاب .
أو [ أن ] « 3 » يكون معنى قوله :
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ
، أي : أجل العذاب إذا حل ، وقع
هامش
( 1 ) في ب : أنه .
( 2 ) في ب : هذا .
( 3 ) سقط في ب .