تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
كانت العبادة منصرفة إلى إتيان الأفعال « 1 » ، وانصرف التقوى إلى اتقاء المهالك ، وهو كما قلنا في البر والتقوى : إن كل واحد منهما إذا ذكر مفردا اقتضى ما يقتضيه الآخر ، وإذا جمعا في الذكر ، صرف أحدهما إلى جهة والآخر إلى جهة أخرى ، وكذلك الإسلام والإيمان إذا أفرد بذكر أحدهما يكون معنى كل واحد منهما هو معنى الآخر ، وإذا جمعا في الذكر صرف كل واحد منهما إلى جهة على حدة . وقال الحسن في قوله - عزّ وجل - :
وَاتَّقُوهُ
، أي : اتقوا الله في حقه أن تضيعوه فهو يجمع ما يؤتى « 2 » وما يتقى . ثم الأصل أن الطاعة قد تكون لمن سوى الله ، والعبادة لا تكون إلا لله تعالى ؛ فلذلك قال عند الأمر بالعبادة :
اعْبُدُوا اللَّهَ
، فأضافها إلى الله تعالى ، وأضاف الطاعة إلى نفسه بقوله :
وَأَطِيعُونِ
، ففيه دلالة أن ليس في الطاعة لآخر إشراك بالله تعالى في الطاعة ، بل الله تعالى جعل الإشراك في الطاعة بقوله :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] وذم من يعدل بالله تعالى في العبادة بقوله تعالى :
وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
[ الأنعام : 150 ] ، فالعبادة كأنها تقتضي الخضوع والتضرع على الرجاء والخوف ، والله تعالى هو الذي يرجى منه ويخاف من نقمته ، فأما الطاعة فهي تقتضي فعلا [ على الأمر ] « 3 » لا غير ؛ وعلى ذلك لما صرفت الكفرة الرجاء والخوف إلى الأصنام بقولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] ، وقولهم :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، سموا « 4 » : عباد الأصنام ، فكل من يفعل الفعل على الخوف والرجاء فذلك منه عبادة له . وقوله - عزّ وجل - :
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
إن صرفت قوله :
وَاتَّقُوهُ
إلى اتقاء الشرك يرجع قوله :
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
إلى ما سلف من الذنوب في حالة الشرك ؛ كقوله - عزّ وجل - :
إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] . وإن صرفته إلى سائر وجوه المهالك ، رجع إلى السالف وإلى الآنف جميعا ؛ وهو كقوله تعالى :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
[ هود : 114 ] ؛ فيكون قوله
مِنْ
صلة على ما ذكره أهل التفسير ، ومعناه : يغفر لكم ذنوبكم . وجائز أن يكون قوله :
مِنْ
على التحقيق ليس على حق الصلة ؛ لأنه قد يكون من الذنوب ذنوب يؤاخذ بها بعد الإسلام ، وهي التي تكون بينه وبين الخلق من القصاص
هامش
( 1 ) في ب : الفعل . ( 2 ) في أ : يؤدي . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : فسموا .