وقيل « 1 » : هو العرق الذي إذا قطع مات صاحبه ، وهو عرق متصل بالظهر ، فكأنه قال :
نعذبه عذابا لا بقاء له مع ذلك العذاب ، وهذا من أعظم آيات الرسالة في أنهم متى زلوا أخذوا على المكان ، ويكون فيه أمان الخلق « 2 » عن إحداث التغيير والتبديل من الرسل ؛ لأنهم لو غيّروا لعذبوا .
ثم قوله - عزّ وجل - :
مِنْهُ بِالْيَمِينِ
فجائز أن يكون قوله :
مِنْهُ
زيادة في الكلام ، وحقه الإسقاط ، ويكون معناه : لأخذناه باليمين .
وجائز أن يكون معناه : لأخذنا من تقوله وسحره وكهانته باليمين ، فإن كان على هذا فحقه الإثبات ، وليس بصلة زائدة .
وقوله - عزّ وجل - :
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
، ففي هذا يأس منه لأولئك الكفرة ؛ لأنهم كانوا يطمعون « 3 » من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم اتباعهم وموافقتهم على ملتهم ؛ فأخبر أنه لو أجابهم لقطع منه وتينه ، وأخذه أخذا لا يملكون منع ذلك عنه ، ولا دفعه ، ولم يكن أحد ينصره عند ذلك أو يحجزه عنا ، وهو كقوله - تعالى -
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . .
. إلى قوله :
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً
[ الإسراء : 73 - 75 ] .
وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
، فالمتقون : الموحّدون ، فسمّاهم مرة :
متقين ، ومرة : صابرين شاكرين ؛ كقوله - عزّ وجل -
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
[ إبراهيم : 5 ] وهو تذكرة ؛ لأنه يذكرهم الوعد والوعيد ، وما يتقى وما يؤتى ، وغير ذلك « 4 » ، فهو تذكرة ، يعني : القرآن .
وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ
أي : بآياتي ورسلي ، ثم نمهلكم ، فهو صلة قوله :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ
فبيّن أنه مع كذبهم بآياته ورسله يمهلهم ، ولا يعجل عليهم بالعقوبة ، ولو وجد التقول « 5 » من الرسول ، لكان يستأصله ، ويقطع وتينه ، فهو على ما ذكرنا : أن عذابه على خواص عباده أسرع وقوعا إذا خالفوا منه بأعدائه .
وجائز أن يكون قوله :
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ
هم المنافقون ؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بألسنتهم ، ويخالفونه ويكذبونه بقلوبهم ؛ فيكون هذا التأويل
هامش
( 1 ) قاله الضحاك بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 34842 ) .
( 2 ) في ب : الخالق .
( 3 ) في أ : يعلمون .
( 4 ) زاد في ب : فهو تذكرة ؛ لأنه يذكرهم الوعد والوعيد .
( 5 ) في أ : المنقول .