كالمجرمين ، وذلك مكتوب عندهم ، أو عند سلفهم علم الغيب ، فوجدوه « 1 » في كتبهم ، ويعلم به خلفهم ليخاصموك به ، ثم هم قوم لم يكونوا يؤمنون بالكتب ولا بالرسل ، فكيف يخاصمونك ويكذبونك فيما تخبرهم ؟ وإنما يوصل إلى التكذيب بما ثبت من العلم بخلافه ويتأيد بأحد الوجهين اللذين ذكرناهما .
أو يكون هذا في موضع الاحتجاج عليهم حين زعموا أنا نعبد الأصنام ؛ ليقربونا إلى الله زلفى ، ويكونوا لنا شفعاء ، فما الذي « 2 » حملهم على هذه الدعوى أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون ؟ !
أو أن يكون القوم قد ألزموا أنفسهم الدينونة بدين الله - تعالى - وأقروا له بالألوهية ، وذلك يلزمهم العمل بما فيه تبجيل الله تعالى ، وما به يشكر الخلائق ، وذلك لا يعرف إلا [ بالرسل - عليهم السلام - ] « 3 » فقد عرفوا حاجة أنفسهم إلى من يعلمهم علم الغيب ، فما لهم امتنعوا عن الإجابة [ لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ] « 4 » مع حاجتهم إليه ، أي : ما عندهم علم الغيب ؛ فيستغنون به عن الرسول ، عليه السلام .
وقوله - عزّ وجل - :
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
.
إن حكم الله تعالى في الرسل ثلاث :
أحدها : ألا يدعوا على قومهم بالهلاك ، وإن اشتد أذاهم من ناحيتهم حتى يؤذن لهم .
والثاني : ألا يفارقوا قومهم وإن اشتد بهم البلاء إلا بإذن الله تعالى .
والثالث : ألا يقصروا في التبليغ وإن خافوا على أنفسهم .
ثم من وراء هذا عليهم أمران :
أحدهما : أنهم أمروا ألا يغضبوا إلا لله تعالى .
والثاني : ألا يحزنوا لمكان أنفسهم إذا آذاهم قومهم ، بل يحزنوا لمكان أولئك القوم إشفاقا عليهم منه ورحمة بما يحل عليهم من العذاب بتكذيبهم الرسل ، فهذا هو حكم ربه .
ويحتمل أن يكون قوله تعالى :
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
أي : لا تجازهم بصنيعهم [ ولا تستعجل ] « 5 » عليهم ، بل اصبر لحكم ربك بما حكم عليهم من العذاب .
هامش
( 1 ) في ب : فخلدوه .
( 2 ) في أ : فالذي .
( 3 ) في ب : بالرسول عليه السلام .
( 4 ) في ب : لرسوله عليه السلام .
( 5 ) سقط في أ .