تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 635

مساهمون:

ص٦٣٥
إلى أنواع أربعة : جهاد في سبيل اللّه بمقاتلة أعدائه ، والاستقصاء في طاعته . وجهاد فيما بين الإنسان ونفسه أن يجاهد في قهرها ومنعها عن لذاتها وشهواتها ، وعما يعلم أنه يهلكها ويرديها . وجهاد فيما بينه وبين الخلق ، وهو أن يدع الطمع فيهم ، وأن يشفق عليهم ويرحمهم ، وألا يرجوهم ولا يخافهم . وجهاد فيما بينه وبين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده ، أو مرمّة لمعاشه ، ولا يأخذ منها ما يضره في عقباه . وكل هذه الأنواع يستقيم أن يسميها جهادا في سبيل اللّه . ثم إن هذه الآية تنتظم مسائل ثلاثا : إحداها : أن كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
؟ والثانية : أن كيف يرجى له النجاة إذا آمن بالله ورسوله ، ولم يجاهد في سبيل اللّه وقد أوجب عليه ذلك ؟ والثالثة : أن كيف يخاف عليه العذاب إذا آمن بالله ورسوله ، وجاهد في سبيل اللّه ، وأتى بالكبيرة مع قوله :
تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
؟ أما الجواب عن المسألة الأولى : أنه يحتمل أن يكون المراد من هذه الآية أهل النفاق ؛ فيكون المعنى من قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
في الظاهر ،
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
، أي : تصدقون بقلوبكم . ويجوز أن تكون في أهل الكتاب أيضا فكأنه قال - عزّ وجل - : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة ، آمنوا بالله وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبهذا الكتاب . هذا إذا كان في الكفار . فأما إذا كان في المؤمنين يجوز أن يكون أمر بالإيمان من بعد ما آمنوا ، بمعنى : الثبات عليه أو الزيادة وبحق التجدد ، وأن الإيمان في حادث الأوقات له أسماء ثلاثة : الزيادة ، والثبات ، والتجدد ؛ وذلك أن اللّه تعالى ذكر هذا النوع في كتابه مرة باسم الزيادة ؛ حيث قال :
لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ
[ الفتح : 4 ] ، ومرة باسم الثبات بقوله :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[ إبراهيم : 27 ] ، ومرة بالإيمان بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ
[ النساء : 136 ] . فإن كان على الزيادة والثبات ، فذلك لطف من اللّه تعالى ؛ وذلك أن الزيادة والثبات هما اسمان يطلقان على فعل دائم ، وفعل الإيمان منقض ، ولكنه يجوز أن يكون اللّه تعالى