تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
فقال بعضهم : إن موسى - عليه السلام - كان لا يكشف عن نفسه ؛ فآذوه بأن قالوا : إن في بدنه آفة ومكروها . وقال بعضهم : إن موسى - عليه السلام - ذهب مع هارون - عليه السلام - إلى جبل ، فقبض هارون في ذلك الجبل ، فآذوه بأن قالوا : قتل موسى أخاه . ومنهم من قال : كانوا يؤذونه بألسنتهم حيث قالوا :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
[ النساء : 153 ] ، وبقولهم :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ الأعراف : 138 ] ، وبقولهم :
لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
[ البقرة : 61 ] ؛ ولكن الوجه أن لا يشار إلى شيء بعينه . فإن كان التأويل هو الوجه الأول : أنهم آذوه من غير أن يعلموا أن ذلك يؤذيه أن لا يصرف إليه شيء من هذه الأوجه الثلاثة ، وإن كان على الوجه الثاني فكذلك ، وإن كان على الوجه الثالث جاز أن يصرف إليه أي الوجوه منها ، واللّه أعلم . ثم حق هذه في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخرج على وجهين : أحدهما : أنه يجوز أن يكون بنو إسرائيل آذوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكره اللّه تعالى أمر موسى - عليه السلام - وإيذاءهم إياه ؛ ليكون فيه تصبير لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتسكين لقلبه . أو يجوز أن يكون هذا تحذيرا لأصحابه عن أن يرتكبوا ما يخاف أن يكون فيه أذاه - عليه السلام - واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
له معنيان : أحدهما : أن يقول :
أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
، يعني : خلق فعل الزيغ في قلوبهم يعني : خذلهم اللّه ، ووكلهم إلى أنفسهم . قالت المعتزلة محتجين علينا : إن اللّه تعالى قال :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[ البقرة : 26 ] ذكر أنه إنما يضله بعد ما فسق ، وأنتم تقولون : إنه يضله وهو يهدى ؟ قلنا : إن هذا تمويه علينا ، وذلك أنا نقول : إن اللّه تعالى يضله لوقت اختياره الضلال ، ويزيغه لوقت اختياره الزيغ ، وإذا كان كذلك ، لم يلزم ما قالت المعتزلة ، مع أنهم يقولون : إن اللّه تعالى يضله بعد ضلالته بنفسه ؛ عقوبة له ، ويريد له هدى بعد اهتدائه ثوابا له . ولا يستقيم كذلك ؛ لأنا قد نراه في الشاهد يكفر بعد إيمان ويؤمن بعد كفره ، وإذا كفر بعد ما كان مؤمنا ، وذلك وقت يريده اللّه تعالى هدي ؛ ثوابا لإيمانه المتقدم ؛ فإذا كفر فكأن هداية اللّه تعالى كانت سببا لكفره ، أو إذا آمن بعد ما كان كافرا وقت عقوبته بالكفر ؛ فكأن عقوبة اللّه تعالى بالكفر على الكفر المتقدم كان سببا للإيمان ، وهذا كلام مستقبح . وقوله - عزّ وجل - :
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ .