تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
وقوله :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
على قول من يجعل القسم بالقرآن ، فهو ظاهر : أن يقول :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
، أي : الذي أقسم به وأنزله نجوما هو كريم . وعلى التأويل الذي يجعل القسم بالنجوم المعروفة ، يجعل قوله :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
ابتداء ذكر منه له . ثم تسميته القرآن : كريما ، يخرج على وجوه : أحدها : وصفه بالكرم ؛ لما هو محل لقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية ، وفي العرف : الكريم : من نصب نفسه وأعدها لقضاء حوائج الخلق والقيام لإنجازها . أو وصفه بالكرم ؛ لأن من اتبعه ، كرم وشرف . أو كريم عند اللّه عظيم : لذلك وصفه بالكرم ، واللّه أعلم . وقوله :
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
قال أهل التأويل : في اللوح المحفوظ ؛ سماه مكنونا : لأنه مستور على خلقه عند اللّه . وقال - عزّ وجل - :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
يقول : لا يمس ذلك إلا المطهرون . وقال بعضهم « 1 » : هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهم ؛ كقوله تعالى :
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرامٍ بَرَرَةٍ
[ عبس : 15 ، 16 ] طهروا من الذنوب والآثام ، وكأنه ذكر هذا ليأمنوا عن تحريف هذا الكتاب وتبديله ، وهو ما قال على أثره :
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
، أي : أنه مكنون عمن يحرفه ويبدله ، وأنه لا يمسه إلا المطهرون من الذنوب ، والتحريف : إثم وذنب من رب العالمين ، وهو كما ذكر في آية أخرى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 ، 194 ] ، وقال :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 5 ] ، أخبر أن الذي نزل به من السماء أمين ، لا يكون منه التحريف ولا التبديل ، وأنه قوي ، لا يقدر أحد من جني وإنسي أخذه من يده ، ولا تحريفه ، ثم تمام الأمن بقوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] ، وكل حفظه إلى نفسه ؛ لا إلى أحد من خلقه ؛ فصار محفوظا عن التبديل والتحريف ، واللّه أعلم . وقوله :
أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ
قال بعضهم : أفبهذا القرآن أنتم كافرون ؟
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
اللّه تعالى جعل هذا القرآن حياة الدين وقوامه ، والرزق حياة الأبدان وما به قوامها ، فكذبوا الأمرين جميعا ، ما به حياة الدين والأبدان جميعا . ثم يخرج ما ذكر من تكذيب الرزق على وجوه : أحدها : ما ذكر بعض الناس أهل التأويل : أنهم كانوا يقولون : رزقنا بنوء كذا ؛ كانوا
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 33537 ) وآدم وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في المعرفة من طرق عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 232 ) وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم .