تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
ثم إن الذي حملهم على عبادة ما عبدوا من دون الله وجهان : أحدهما : لما لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة الإله العظيم أو تقدر على القيام بخدمته ، فعبدوا هذه الأشياء رجاء أن تقربهم عبادة هؤلاء إلى الله زلفى ، وأن هؤلاء شفعاؤهم عنده ، وذلك لما رأوا في ملوك الدنيا أن كل أحد [ لا ] يجد السبيل إلى خدمة ملوكها ، أو [ لا ] يقدر على القيام بين يديه والخدمة له ، فيخدم من اتصل بالملك ومن عظم قدره ومنزلته عند الملك ؛ ليقربه ذلك المخدوم له إلى الملك إذا بدت له الحاجة أو الشفاعة ، وعلى ذلك ما ذكر في قصة فرعون أنه كان اتخذ لقومه أصناما يعبدونها من دونه ، لما لم يروا كل أحد منهم يصلح لخدمته ، وهو ما أغرى قومه على موسى حيث قالوا :
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
[ الأعراف : 127 ] ونحو هذا أوجه . والثاني : عبدوهم ؛ لما رأوا آباءهم قد عبدوها ، وتركوا على ذلك حتى ماتوا ، فاستدلوا بتركهم على ذلك على أن الله قد كان رضي بعبادتهم الأصنام وأمرهم بذلك لقولهم إذا فعلوا فاحشة :
قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
[ الأعراف : 28 ] ؛ ولذلك قالوا :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا
[ الأنعام : 148 ] ، وقولهم :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
[ النحل : 35 ] استدلوا بتركه آباءهم على ما عبدوا من الأصنام على ذلك ولم يعاقبهم في الدنيا ، وكانوا لا يؤمنون بالآخرة حتى يزجرهم إليها على أن الله قد رضي بذلك ، وأنهم عن أمر منه فعلوا ذلك ، فرد الله ذلك عليهم فقال :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
. يحتمل قوله :
فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
[ الزمر : 3 ] في محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنهم اختلفوا فيه ؛ فمنهم من قال : إنه ساحر ، ومنهم من قال : إنه شاعر ، وإنه مجنون ، وإنه مفتر ونحوه ، فيخبر أنه يحكم بينهم ؛ ليبين لهم أن ما ذكروا [ ابتغوا فيه ] أهواءهم . أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم ، وأن عبادتهم لا تقربهم إلى الله زلفى ، وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا ؛ لما أنبأهم وأخبرهم بأخبار عرفوا أن الساحر والشاعر لا يعرف مثلها ، نحو ما أخبرهم بنصر الله إياه والظفر له عليهم - أعني : على الأعداء - فكان على ما أنبأهم بأنباء وأخبار عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا بالوحي من الله - عزّ وجل - لكنهم عاندوا وكابروا ؛ وكذلك بين لهم أيضا ما عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة ، حيث ابتلاهم بأهوال وأفزاع بركوب البحار والتضييق عليهم حتى فزعوا إلى الله في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم ، لم يفزعوا إلى