تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
نفسه أو لمنفعة له ، ولكن إنما يأمر وينهى لمنفعة أنفسكم ولحاجتكم . أو يقول : تعلمون أنه هو ربكم ورب ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما ، فكيف تعبدون من تعلمون أنه ليس بربكم ولا إله ، وإنما الإله ما ذكر فتتركون عبادته وطاعته ؟ ! وقوله - عزّ وجل - :
الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
. أي : لا يلحقه الذل بذل أوليائه وخدمه ؛ لأنه عزيز بذاته لا بأحد ليس كملوك الأرض يذلون إذا ذل أولياؤهم وأتباعهم ؛ لأن عزهم بأوليائهم وأتباعهم فإذا ذلوا ذل من كان عزه بهم ، فأما الله - سبحانه وتعالى - فعزيز بذاته لا يلحقه الذل بذل أوليائه ولا هلاكهم . وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
، له تأويلان : أحدهما : أن هذا القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نبأ عظيم أنتم عن التفكر فيه والنظر معرضون ؛ لأن فيه ذكر ما نزل بالمكذبين بالتكذيب والعناد ، وفيه ذكر من نجا منهم بم نجا ؟ وفيه ذكر ما يؤتى وما يتقى ، وفيه ذكر البعث وذكر الجنة والنار ونحوه ، وذكر ما لهم وما عليهم ، فهم عن التفكر فيه والنظر معرضون ما لو تفكروا فيه وتأملوا ، لأدركوا كله ووصلوا إلى معرفة كل ما فيه مما ذكرنا ، والله أعلم . والثاني : قوله - عزّ وجل - :
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
أي : البعث والحشر هو نبأ عظيم أنتم عن السعي والعمل لذلك معرضون تاركون . فمن جعل تأويله على البعث والحشر يجعل الإعراض عن السعي له والعمل لذلك اليوم ، ومن حمل تأويله على القرآن يجعل الإعراض عن التفكر فيه والنظر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ . إِنْ يُوحى إِلَيَّ . . .
الآية . اختلف في الملأ الأعلى : قال عامة أهل التأويل « 1 » : الملأ الأعلى : هم الملائكة الذين تكلموا في آدم - عليه السلام - حين قال لهم الرب - عزّ وجل - :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
، فقالوا عند ذلك :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ . . .
الآية [ البقرة : 30 ] . وقوله - عزّ وجل - :
إِذْ يَخْتَصِمُونَ
ليس على حقيقة الخصومة ، ولكن على التكلم في ذلك ؛ كقوله - عزّ وجل - :
يَتَنازَعُونَ فِيها
[ الطور : 23 ] كأنها ليس على التنازع المعروف عند الناس والخصومة ، ولكن على اختلاف الأيدي فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم ، والله أعلم . ومعناه : ما كان [ لي ] من علم من اختصام الملأ الأعلى وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إليّ فعلمت وإنما أنا نذير مبين .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 30024 ) ، وهو قول السدي وقتادة أيضا .