تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 615

مساهمون:

ص٦١٥
اذكر ما أعطى هو من الحكمة والحكم وفصل الخطاب . ثم قوله :
نَبَأُ الْخَصْمِ
هو حرف التوحيد والوحدان . وقوله - عزّ وجل - :
إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ
. حرف الجماعة ؛ وكذلك قوله - عزّ وجل - :
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ
ذكره بالجماعة ؛ وكذلك قوله - عزّ وجل - :
فَفَزِعَ مِنْهُمْ
ذكر بحرف الجماعة ، وقوله - عزّ وجل - :
قالُوا لا تَخَفْ
، ثم ذكر بحرف التثنية حيث قال - عزّ وجل - :
خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ
ذكر بعضه بحرف الوحدان والإفراد وبعضه بحرف التثنية وهي قصة واحدة . وقال بعضهم : أما قوله - عزّ وجل - :
الْخَصْمِ
فهو مصدر ، والمصدر للجمع والفرد والتثنية واحد ، وأما قوله - تعالى - :
تَسَوَّرُوا
و
دَخَلُوا
و
قالُوا
، ونحوه قد يقال للاثنين ذلك ؛ لأن الاثنين جماعة ؛ كقوله - عزّ وجل - :
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ التحريم : 4 ] ، والقلوب جماعة ، وإنما هو قلبان ، وذلك كثير في القرآن ، وذلك جائز في اللغة شائع فيها . وعندنا جائز أن يكون قوله - عزّ وجل - :
تَسَوَّرُوا
و
دَخَلُوا عَلى داوُدَ
و
قالُوا لا تَخَفْ
ونحوه : أن كان مع الخصمين الملكين ملائكة سواهم شهود على دعواهما وخصومتهما تسوروا معهما ودخلوا معهما عليه فلما فزع منهم
قالُوا لا تَخَفْ
وإن كان الذي تخاصم بين يديه اثنان ؛ لما لا يحتمل أن يقول داود لأحد الخصمين :
لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ
، ينسبه إلى الظلم ويصفه بالبغي بلا شهود يشهدون ، إلا أن يكون من الآخر إقرار على ما يدعي عليه ، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكون ما ذكرنا أنه كان مع الملكين ملائكة آخرون شهود يشهدون على ذلك ، وأن حاصل الخصومة لاثنين منهم ، وفيما أضيف الفعل إلى الجماعة كانوا جماعة في التسور والدخول عليه والقول منهم :
لا تَخَفْ
، وفيما أضيف إلى الاثنين اثنين كانا في الخصومة ، والله أعلم . ثم فيه من الكلام والقول حيث قالا :
خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ
، و
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
، وقوله :
أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
، ونحوه من الكلام والقول الذي كان منهما كيف حققا ذلك وقطعاه أنهما خصمان ولم يكونا في الحقيقة خصمين وإن لهذا كذا وكذا نعجة ولهذا واحدة ، ولم يكن في الحقيقة ذلك ، وأن هذا بغى على هذا ونحو ذلك من الخصومات التي جرت بينهما ، ولم يكن ذلك كذلك في الحقيقة ، كيف قالا ذلك وحققاه وهم ملائكة والملائكة لا يحتمل أن يكذبوا قط ، أو يرسلهم الله ليكذبوا ؟ ! لكنه - والله أعلم - على التقرير والتمثيل ، أي : لو كان لأحدهما
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 615 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم