تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
أي عجبت من هذا القرآن حين أعطاك إياه ويسخر منه أولئك الكفرة . ويحتمل معنى [ آخر ] ، وهو أن يقال : إن قوله عزّ وجل :
بَلْ عَجِبْتَ
أي : جعلت ما أنزلت عليك من القرآن والوحي أمرا عجبا ، أو أن يقال : كان إنكارهم رسالتك وتكذيبهم الآيات أمرا عجبا وهم يسخرون ، ونحوه ، والله أعلم . وقوله عزّ وجل :
وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ
. ابن عباس يقول : وإذا وعظوا لا يتعظون ، والموعظة والتذكير واحد . وقتادة يقول :
وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ
أي : [ لا ] ينتفعون بالموعظة على ما ذكرنا في قوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة : 18 ] أي : لا ينتفعون بتلك الحواس ، وإن كانت لهم تلك ، كمن لا حاسة له . فعلى ذلك قول قتادة . وجائز أن يكون على مرادفة التذكير ما نسوا من الآيات والحجج ، يقول : إنهم وإن ذكروا ما نسوا وتركوا وغفلوا عنه لا يتذكرون ، والله أعلم . وقوله عزّ وجل :
وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
هذه الآيات وأمثالها ذكرها - والله أعلم - لقوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا [ ] « 1 »
وَيَسْخَرُونَ . وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ . . .
إلى آخر ما ذكر ؛ يخبر عن عنادهم ومكابرتهم . . . الآيات ، ويذكر سفههم . ثم في ذكر ما ذكر من عنادهم وسفههم ، وجعله آيات من القرآن تتلى أبدا وجهان من الحكمة : أحدهما : صيّر ذلك آية لرسالته صلى اللّه عليه وسلم لأنه معلوم أنهم كانوا على ما أخبر عنهم من العناد والسفه وعلى أن ختموا وقبضوا ، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحيه علم ، والله أعلم . والثاني : يخبر - والله أعلم - على ما رأى سلفنا من سفه أولئك وعنادهم وما قاسوا منهم وما لحق بهم من الأذى والضرر والسوء ؛ لئلا يضيق صدرنا في سفه من تسفه علينا من أهل الفساد والفسق ، وألا نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسفه السفيه ، ولا لأذى المؤذي ولا سوء يقال ، بل يجب علينا أن نتأسى بسلفنا ونقتدي بهم ، وإذا أصابنا منهم ما أصاب أولئك من الأذى والسفه ، وإن عاندوا أو كابروا وظهر منهم كل فسق وسوء على ما فعل أولئك ، واحتملوا منهم ما كرهوا ، فنحمل عن سفهائنا مثله - والله أعلم - وإلا لو لم يكن في ذكر سفههم وعنادهم ما ذكرنا من الحكمة كان لا معنى لذكر سفه أولئك وعنادهم . وجائز أن يكون الشيء سفها باطلا في نفسه ويكون حكمة ودليلا لغيره - والله أعلم - على ما قال بعض الناس : إن الكذب نفسه يجوز أن يكون دليل الصدق ، وكلام السفه
هامش
( 1 ) بياض في أ .