تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
وقوله :
إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
. لمساوئهم من غير أن كان منهم ما يستوجبون المغفرة ، شكور لحسناتهم حيث قبلها منهم وأعطاهم الثواب . وقال أهل التأويل « 1 » : غفور لذنوبهم ، شكور يعطيهم الجزاء الجزيل بالعمل القليل . وقوله :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ
. لما لا يتمنى التحوّل منها ولا الانتقال ، لا يبغون حولا . وقوله :
لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
. ليس من صاحب نعمة في هذه الدنيا وإن عظمت إلا وهو يمل منها ويسأم ، ويتمنى التحول منها والانتقال ، وكذلك ليس من لذة وإن حلت في هذه الدنيا إلا وهي تعقب آفة وتعبا ، فأخبر أن نعيم [ الآخرة ] ولذاتها مما لا يتمنى ولا يبتغى التحول منها ، ولا لذتها تعقب آفة ولا تعبا ولا إعياء . وجائز أن يكون قوله :
لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
وذلك أن من حل بقرابته وبالمتصلين [ به شيء ] « 2 » في هذه الدنيا من آفاتها يهتم لذلك ويتكلف دفع ذلك عنهم ، فأخبر أنهم إذا حلوا في دار المقامة لا يهمهم شيء من ذلك ، والله أعلم . وقال بعضهم « 3 » في قوله :
إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
: شكر لهم ما كان منه إليهم ، وغفر لهم ما كان منهم من ذنب ، وفي حديث رفع إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في قوله :
إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
قال : « شكر الله للمؤمن اليسير من الحسنات ، وغفر لهم الذنوب العظام » . والنصب : الأذى ، ويقال : الفناء ، واللغوب : التعب . وقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا
: فيستريحوا من عذابها ،
وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها
. وفي قوله :
وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها
نقض قول الجهم وأبي هذيل المعتزلي : أما قول الجهم ؛ لأنه يقول : بانقطاع العذاب عن أهل النار ، فأخبر أنه لا يخفف عنهم العذاب ، فلو كان يحتمل الانقطاع يحتمل التخفيف ، فإذا أخبر أنه لا يخفف عنهم دل أنه لا ينقطع ، وكذلك قول مالك لهم :
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
[ الزخرف : 77 ] لما طلبوا منه
هامش
( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 29019 ) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 5 / 476 ) . ( 2 ) في أ : بشيء . ( 3 ) قاله شمر أخرجه ابن جرير عنه ( 29020 ) .