تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
لو نظروا علموا ، والله أعلم . وقوله :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
. هذا القول منهم إنما يقولون على الاستهزاء والسخرية ، ليس على الاسترشاد على أنه لا يكون ذلك ، وأنه كذب ؛ كقوله :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها
[ الشورى : 18 ] : أخبر أن أولئك يستعجلون بها ؛ لتركهم الإيمان بها استهزاء منه ، والذين آمنوا خائفون منها ؛ لإيمانهم بها أنها كائنة لا محالة ، لكن الله - سبحانه - لم يجبهم بما يجاب المستهزئ ؛ ولكن أجابهم بما يجاب المسترشد ؛ بلطفه وكرمه وجوده حيث قال :
قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ
. أي : لكم ميعاد [ اليوم ] الذي وعدكم محمد أنه كائن لا محالة ، وهو يوم
لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ
، وهكذا الواجب على كل مسؤول إذا كان سائله سؤال استهزاء أن يجيبه جواب ما يجاب المسترشد ، لا ما يجاب المستهزئ ، ولا يدع علمه وحكمته لسفه السفيه ، ولا لهزء الهازئ ، ولكنه يحفظ حكمته وعلمه وعقله ، ولا يشتغل بجواب مثله ، وبالله العصمة . وقوله :
لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ
. فإن كان على طلب التأخير وطلب التقديم ، ففيه تعيير وتوبيخ لهم ؛ كأنه يقول : ليس لكم من الخطر والقدر والمنزلة ما يؤخر لكم ما تستأخرون أو يقدم لكم ما تستقدمون . وإن كان على تحقيق ترك التأخير وترك التقديم ، كأنه يقول : ميعادكم يوم لا تملكون تأخيره إذا جاء ، ولا تقديمه عن وقته ولا رفعه ، والله أعلم . وقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
. كأن هذا القول منهم - والله أعلم - خرج عن مخاصمة وقعت بينهم وبين المؤمنين في شأن القرآن أو في شأن محمد ؛ فتحاكموا إلى [ أهل ] الكتاب على اتفاق منهم على ما في كتبهم ، فلما خرج ذلك على موافقة قول المؤمنين ، ومخالفة قول أولئك - قالوا عند ذلك :
لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
، وإلا على الابتداء من غير تنازع وخصومة كان بينهم في ذلك غير مستقيم . ويذكر بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره - : أن رهطا بعثهم قريش إلى المدينة إلى رؤساء اليهود ؛ يسألونهم عن محمد وبعثه ؛ فأخبروهم أنه كائن وأنه مبعوث ، فلما رجعوا إليهم فأخبروهم أنهم قد عرفوه ، وهو عندهم في التوراة والإنجيل - فعند ذلك قالوا ما قالوا ثم كأنه اشتد ذلك على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وثقل عليه ؛ فقال له على التعزية والتصبير على
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 448 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم