وقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ
.
قال بعضهم : إنهم أقسموا باللات والعزى أن لا بعث ولا حياة بعد الموت ؛ فأمر الله نبيه أن يقسم بالله الواحد على بعث وقيامة بقوله :
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ
.
وجائز أن يكون على غير هذا ، وهو ما قال في آية أخرى ؛ حيث قال :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
[ النحل : 38 ] هم أقسموا بالله : إنه لا يبعث من يموت ؛ فأمر رسوله في هذه الآية أن يقسم بالله - الذي أقسموا هم : إنه يبعث ، وهو قوله :
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ
، وكأن قسمه بما أقسم عندهم أصدق من قسمهم ؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذبا قط ، ولا اتهموه في شيء ؛ يدل على ذلك ما أخبر الله عنهم ؛ حيث قال :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] أخبر أنهم لا يكذبونك في مقالتك ؛ ولكن همتهم الجحود بالآيات والإنكار لها ؛ فيكون قسمه مقابل قسم أولئك في إنكارهم البعث ؛ ليعلموا كذب أنفسهم في قسمهم - بقسم رسول الله بما ذكرنا ، والله أعلم .
وقوله :
عالِمِ الْغَيْبِ
، بالخفض ، وقد قرئ
عالِمِ الْغَيْبِ
: بالرفع ، و
عَلَّامُ الْغُيُوبِ *
:
فمن خفضه ، جعله صفة ونعتا لما تقدم من قوله :
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ
.
ومن رفعه ، يجعله على الابتداء ، ويجعل الكلام تامّا بقوله :
وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ
، ثم استأنف فقال :
عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ
.
ثم قوله :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ
.
قد قرئ برفع الزاي ، وبخفضها :
لا يَعْزُبُ
، وكلاهما لغتان ، والعازب في كلام العرب : الغائب .
وقال بعضهم « 1 » :
لا يَعْزُبُ
، أي : لا يبعد ، وهما واحد .
وقوله :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ
.
وقال في الأولى
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها
: جائز أن تكون هذه الآية في جواهر الأشياء وأجناسها المختلفة ؛ لأنه أخبر عن
هامش
( 1 ) انظر : تفسير غريب القرآن ( 353 ) .