تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
يقول : إن نفسا تأمرني بكذا ونفسا تأمرني بكذا ؛ فنزل ذلك « 1 » . والحكمة فيما لم يجعل لواحد قلبين ، وجعل له سمعين وبصرين ؛ لأن الإدراك بالسمع والبصر إنما يكون بالمشاهدة ، فيخرج ذلك مخرج معاونة بعضهم بعضا ، وما يدرك بالقلب إنما يدرك بالاجتهاد ، وقد يختلف القلبان فيما يجتهدان في شيء ، فيناقض أحدهما صاحبه ؛ إذ يجوز أن يرى أحدهما خلاف ما يراه الآخر ، وأما السمعان والبصران لا يكون كذلك . وقوله :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
: جائز أن يكون سبب ذلك ما ذكر من ادعاء مسيلمة الكذاب الرسالة لنفسه وتواطؤ أصحابه على ذلك ، يقول - والله أعلم - : ما جعل الله أن يرسل رجلين رسولا إلى خلقه مختلفي الدينين متضادّي الشرائع ، يدعو كل واحد إلى دين غير الآخر ، وإلى شريعة يضادّ بعضها بعضا : محمدا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ومسيلمة الكذاب . وقوله :
وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ
: يحتمل هذا وجهين : أحدهما : على النهي الذي ذكرنا ، أي : لا تشبهوا أزواجكم بظهور الأمهات ، ولا تحرموهن على أنفسكم كحرمة الأمهات ؛ ولذلك قال :
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
[ المجادلة : 2 ] . والثاني : أن لم يجعل الله لكم أزواجكم حراما أبدا كالأمهات ، وإن جعلتم أنتم ؛ ولكن جعلهن لكم بحيث تصلون إليهن بالاستمتاع على ما تصلون إليهن وتستمتعون بهن ، بعد هذا القول ؛ يذكر هذا على المنة والنعمة ؛ ليتأدى به شكره ؛ لما أبقى لهم الاستمتاع بهن بعد هذا ، ولم يجعلهن لهم كالأمهات ، على ما ذكر ، والله أعلم . وقوله :
وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ
، أي : ما جعل أدعياءكم أبناءكم في الحقوق إلى الآباء ، وهو ما ذكر في بعض القصة : أنه إذا ادعى الرجل منهم ورثة منهم مع أولاده - وهو شيء كانوا يفعلونه في الجاهلية - دعي إليه ونسب ، يقول - والله أعلم - : ما جعل ما كنتم تدعون الأبناء في الجاهلية للعون والنصرة أبناءكم في الإسلام فيما جعلوا . والثاني : ما جعل أدعياءكم أبناءكم في حق النسبة ، كما ذكر أنهم كانوا يقولون لزيد بن حارثة : زيد بن محمد .
ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ
:
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 28322 ) ، وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 347 ) .