تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ادعى لنفسه الألوهية والربوبية ، بعد ما كان عبدا كسائر العباد أو دونهم ، فعلا قدره وارتفعت منزلته بدعواه بذلك ، وعلا في الأرض ، أي : غلب . وقوله :
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً
قيل « 1 » : فرقا : يستضعف طائفة ، ويذبح طائفة ، ويستحيي طائفة ، ويعذب طائفة . وجائز أن يكون قوله :
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً
أي : جعل لكل طائفة منهم عبادة صنم لم ، يجعل ذلك لطائفة أخرى ، وجعل طائفة أخرى على عمل أولئك وحوائجهم ؛ ليتفرغوا لعبادة الأصنام التي استعبدهم لها ؛ لأن الشيع فرق يرجعون جميعا إلى أصل واحد وإلى أمر واحد . وقوله :
إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
: كذلك كان ، لعنه الله . وقوله :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
: هذا في الظاهر إخبار لرسوله أنه سيفعل ذلك ، لا أنه منّ عليهم وفعل ذلك ؛ لأنه يقول : نريد أن نمن على الذين كذا ، وقد من عليهم بذلك فهلا قال : وقد مننا على الذين استضعفوا في الأرض ؟ لكن معناه - والله أعلم - أي : كنا نريد في الأزل أن نمن عليهم ، وأن نجعلهم أئمة ، وأن نجعلهم الوارثين ، وإلا الظاهر ما ذكرنا . وقوله :
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
يحتمل وجهين : أحدهما : جعلهم جميعا أئمة لنا ، بهم نقتدي وننقاد لهم ، أو أن يكون قوله :
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
أي : نجعل فيهم أئمة وقادة لهم ، أي : نجعل بعضهم أئمة لبعض ؛ كقوله لموسى :
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ
[ المائدة : 20 ] ، والأئمة المذكورة هاهنا كأنهم هم الأنبياء الذين ذكروا في هذه الآية .
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
: هذا كما ذكر في آية أخرى :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا
الآية [ الأعراف : 137 ] ، أي : يرثون الأرض وملكهم بعد فرعون وقومه . والوارث : هو الباقي على ما ذكرنا ؛ كأنه قال : يبقون هم في أرضهم وملكهم بعد هلاكهم ؛ كقوله :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها
[ مريم : 40 ] ، أي : نبقى نحن بعد هلاك الأرض وهلاك من عليها ، والله أعلم . وقوله :
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
أي : يرون ما كانوا
هامش
( 1 ) قاله قتادة ومجاهد وابن زيد ، أخرجه ابن جرير عنهم ( 27159 ) ، ( 27161 ) ، ( 27162 ) ، ( 27163 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 5 / 226 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 147 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم