تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
نفهم « 1 » المعنى الذي به تقر على وجه الماء ، وإن كان دون ذلك في الثقل يتسفل فيه ويتسرب . أو جعل ذلك بطبعه بحيث يقر على وجه الماء ولا يتسرب فيه ؛ لطفا منه ؛ فمن قدر على إنشاء ما يقر على وجه الماء لمعنى جعل فيه لا نعقله نحن ، أو بلطفه - لقادر على إنشاء هذا الخلق وإعادته بعد فنائه وذهابه ، وإن كانت عقول الخلائق لا تدرك ذلك ، وأفهام البشر تعجز عن دركه ؛ فكما قدر على إنشاء ما هو طبعه التسرب في الماء والتسفل فيه ، بحيث يقرّ ويركد على الماء يقدر على ما ذكرنا ، وحيث قدر على تسكين الأمواج في البحر ؛ ليعبر فيها ، وخلق رياحا فيها لتجرى السفن كما تجري بالماء الجاري ؛ فمن قدر على هذا يقدر على ما ذكرنا من الإحياء بعد الفناء . وفيه ما ذكرنا من تذكير نعمه لنا ؛ لنشكره ، وتذكيره قدرته وسلطانه ؛ لنهاب منه ، ولا ننكر قدرته وسلطانه في شيء من الأشياء على ما أنكر قدرته بعض خلقه ؛ لقصور عقولهم عن درك ذلك . وفيه وجوه من الدلالة : أحدها : تعليم الأسباب التي بها يوصل إلى قطع البحار والبراري من اتخاذ السفن والحمل عليها وغير ذلك . والثاني : تسخير البحار والبراري لنا ما لولا ذلك ما تهيأ لنا استعمال ذلك . والثالث : دلالة الرسالة ؛ إذ لولا خبر السماء ، وإلا : ما يعرف أن ما يحتاج إليه هو في تلك البلدان النائية والأمكنة البعيدة ، وما يعلم أن ذلك الطريق يفضي إلى تلك الأمكنة إلا بخبر الرسول عن الله ، تعالى . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
. قال بعضهم : أي : من رحمته أن جعل لكم الفلك والدواب ؛ لتصلوا بها إلى أرزاقكم التي في البلاد النائية البعيدة . وقال بعضهم : إنه لم يزل بكم رحيما إذا تبتم ورجعتم عن ذلك . أو كانت الآية في المؤمنين ؛ فهو لم يزل بهم رحيما ، وإن كانت في الأرزاق فيهم جميعا . فإن قالت الثنوية : إنكم تصفون ربكم « 2 » بالرحمة والرأفة ، وهو يميتكم ، ويقتلكم ، ويحمل عليكم الشدائد والمؤن العظام ؛ فذلك ليس من صفة الرحيم .
هامش
( 1 ) في أ : ولأنفسهم . ( 2 ) في أ : تصورتم بربكم .