تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
كذلك - لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها وأنشأها لهم ، ثم لا يمتحنهم بالشكر على ذلك ولا يأمرهم بأوامر ولا ينهاهم بمناه ؛ فدل ما أنشأ لهم من النعم وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون ويرجعون إليه ؛ حتى يجزون جميعا : المحسن جزاء [ الإحسان والمسىء جزاء ] الإساءة ؛ إذ في العقول التفرقة بين الولي والعدو ، وبين المحسن والمسئ وبين الشاكر والكافر ، ثم رأيناهم جميعا في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة ، لم نر ما يفصل بين الولي والعدوّ ، وبين المحسن والمسئ ، وبين الشاكر والكافر ؛ فدل ما لم يكن من التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك دارا أخرى دار الجزاء ، هناك يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء ، والله الموفق .
لا تُرْجَعُونَ
: لا تبعثون . وقيل : لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها ، كقوله :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
[ الانشقاق : 6 ] ، وقوله :
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ
[ فصلت : 6 ] . وقوله :
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ
. أي : يتعالى الله عن أن يكون خلق الخلق منه عبثا ، أو يتعالى أن يكون خلق الخلق لا لحكمة .
الْمَلِكُ الْحَقُّ
. قال الحسن : الحق : اسم من أسماء الله ، أو الملك الذي خلق الخلق للحكمة .
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
: تنزيه وتبرئه عن جميع ما قالوا فيه . وقوله :
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
يشبه أن يكون على الأوّل : يتعالى الملك الحق وربّ الملك الكريم عن أن يخلقهم لا للحكمة أو للبعث . وقالت الباطنية : العرش : القيامة . ونحن [ نقول : ] يشبه أن يكون العرش القيامة ، على ما قالوا هم ، إلا أنهم يقولون : هو قائم الزمان ، وقلنا نحن : هي القيامة المعروفة وهي الساعة ، ربّ القيامة وهي الملك الذي ذكرنا ؛ كقوله :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] : خص ذلك اليوم بالملك له ، وإن كان الملك له في الدارين جميعا ؛ لما لا يتنازع في ملكه يومئذ ، [ و ] قد نوزع في الدنيا ، فخلص له ملك ذلك اليوم وصفا له يومئذ . وقال بعض أهل التأويل : العرش : السرير ، أضافه إلى نفسه ؛ لمنزلته عند الله ، والكريم : هو نعت ذلك السرير ، أي : الحسن ؛ كقولهم : ( رجل كريم ) ، أي : حسن ، وهكذا يوصف كل كريم بالحسن . وقال بعضهم : هو نعت الرب ، أي : ذو عفو وصفح ، والله أعلم .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 501 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم