تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
ترعى الماشية في السكك ؛ إذ ليس لها مراع ، ونحن نقول : إن من أرسل ماشية في مكان لا مرعى لها إلا كرم إنسان أو حائط فأفسدته ، فالواجب عليه الضمان : ضمان ما أفسدت ، وهو كمن يرسل الماء في ملكه في مكان لا يقر فيه ، فتعدى إلى ملك جاره فأفسده - فعليه ضمان ما أفسده منه . ومن الناس من يجعل الخبر منسوخا بما جاء : ( جرح العجماء جبار ) ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا ، وإنما يكون جرحها جبارا إذا تعدت هي من غير إرسال صاحبها ، فأما إذا كان بصنع صاحبها فعليه الضمان ، والله أعلم . وقال القتبي « 1 » :
نَفَشَتْ
أي : رعت ليلا ، يقال : نفشت الغنم بالليل ، وهي إبل نفش وأنفاش واحدها : نافش ، وسرحت وسربت بالنهار . وقال أبو عوسجة :
نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
، يقال : أنفشنا الغنم : إذا أثرناها في الليل فرعت ، وهو النفش ونفشت ، أي : انتشرت بغير علم أهلها ، ونفشت تنفش نفشا فهي نافشة . قال أبو عبيدة « 2 » : النفش بالليل : أن تدخل في زرع فتأكله ، أو رعت فتأكل . وقوله - عزّ وجل - :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ
. ذكر التسبيح هنا في الجبال ولم يذكر في الطير ، ولكن ذكر في آية أخرى حيث قال :
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ
[ ص : 19 ] : أي : يسبح له . ثم يحتمل أن يكون تسبيح الجبال هاهنا والطير تسبيح خلقة ، لكنه لو كان تسبيح خلقة لكان تسبيحها مع داود وغيره سواء ، وقد ذكر يسبحن مع داود ؛ ليعلم أن الله جعل لهذه الأشياء تسبيحا يسبحن الله ويذكرونه ، كذلك ما روي في الأخبار أن الطعام يسبح في كف رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم « 3 » ، وروي أنه أخذ حجرا فسبح في يده « 4 » ، وأنه أخذ كذا فسلم عليه « 5 » ، وأمثال هذا كثير ، وذلك كله آية لرسل الله على رسالتهم .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير غريب القرآن ص ( 287 ) . ( 2 ) انظر : مجاز القرآن ( 2 / 41 ) . ( 3 ) في الباب عن عبد الله بن مسعود ، أخرجه البخاري ( 7 / 286 ) كتاب المناقب : باب علامات النبوة في الإسلام ( 3579 ) من طريق إبراهيم عن علقمة عنه قال : كنا نعد الآيات بركة . . . ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . ( 4 ) في الباب عن أبي ذر قال : « تناول رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم سبع حصيات فسبحن في يده ، حتى سمعت لهن حنينا ، ثم وضعهن في يد أبي بكر ، فسبحن ثم وضعهن في يد عمر فسبحن ، ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن » أخرجه البزار والطبراني ، كما في فتح الباري ( 7 / 292 ) . ( 5 ) في الباب عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ قبل أن أبعث ، إني لأعرفه الآن » أخرجه مسلم ( 4 / 1782 ) كتاب الفضائل : باب فضل نسب النبي صلى اللّه عليه وسلّم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ( 2 / 2277 ) .