تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
الآخرة العدل الذي يعرف به حدود الأشياء وأقدارها ، فيكون الموازين العدل ما ذكر بقوله :
فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
، أي : لا ينقص من حسناته أو يزاد على جزاء سيئاته ، ولكن يوفى كل جزاء عمله . ويحتمل أن يكون قوله :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ
على الإضمار ، أي : نضع الموازين التي تكون في الدنيا يوم القيامة بالعدل لا تطفف ولا تنقص ولا تحسر كما تفعلون في الدنيا ، ولكن العدل لا تطفف ولا تنقص ذلك تسوى وتستوفى مستويا من غير زيادة ولا نقصان « 1 » ؛ لأن الزيادة والنقصان إنما تكون في الشاهد لوجوه : الجهالة ، أو للحاجة ، أو للجور ، فيحمله كله على الزيادة والنقصان ، والله - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ذلك كله ؛ لأنه عالم بذاته غنى بذاته عادل ، فلا وجه للخسران منه والزيادة فيه . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها
. أي : أتينا بجزائها ، أو أتينا بها ، أي : بعينها لا يفوت شيء ولا يغيب عنه . وليس المراد من ذكر
مِثْقالَ حَبَّةٍ
و
مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ النساء : 40 ] الذرة ، والحبة ، ولكن ذكر على التمثيل ، أي : لا يفوت عنه شيء ولا يغيب ذلك المقدار من الخير والشر غير فائت عنه ولا منسى ، ولكن محفوظ محاسب . وقوله - عزّ وجل - :
وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
. لا يشغله كثرة الحساب وازدحامه ، ليس كمن يحاسب آخر في الشاهد أنه إذا كثر الحساب عليه وازدحم شغله ذلك عن حفظ الحساب ، والله أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 48 إلى 50 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 ) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 ) وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ
. فهو ما يفرق بين الحق والباطل ، وبين المشتبه والواضح ، وبين ما يؤتى ويتقى ، وبين ما عليهم ولهم ، والنور : ما يتجلى به حقائق الأشياء ، والضياء هو ما يظهر به حسن ما يتجلى واستنار ، وروح : هو ما به حياة كل شيء ، القرآن سماه : روحا ؛ لأنه به حياة الدين ، وسمى الماء : حياة ؛ لأن به حياة الأبدان ، والمبارك هو ما ينال به ويصل إليه من كل خير ، والذكر : هو ما يذكر ما لهم وعليهم .
وَذِكْراً
. قيل : هو الموعظة ، والموعظة : قيل : هي التي تلين القلوب وتوسع الصدور وتفسح ويخشع بها الفؤاد ، وعلى هذا الوصف جميع كتب الله الذي وصف هذا
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 13 / 512 - 513 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 350 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم