تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وقوله - عزّ وجل - :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
قال بعضهم : مثل هذا إنما يقال على المبالغة في العظيم من الأمور والنهاية من الضيق والشدة على التمثيل . يقول الرجل لآخر : أظلمت الدنيا عليه وضاقت عليه الأرض بما رحبت ونحوه ، على الإبلاغ في الضيق والشدة ؛ فعلى ذلك هذا ذكر على الإبلاغ والنهاية في العظيم من القول لما قالوا عنه سبحانه ، ثم جعل مثل ما قالوا في العظيم لله بما يعظم من المحسوسات في العقول ، وهو ما ذكر من انفطار السّماوات وانشقاق الأرض وهدّ الجبال ، وهنّ أصلب الأشياء وأشدها ؛ ليعرفوا عظم ما قالوا فيه ، وهكذا تعرف الأمور الغائبة التي سبيل معرفتها الاستدلال بالمحسوسات من الأشياء المشاهدات منها . وجائز أن يكون ما ذكر من انشقاق الأرض وهدّ الجبال وانفطار السماء على حقيقة ما ذكر يكون فيها وإن لم يشاهد ذلك منها ولم يحس ، كقوله :
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
[ الأعراف : 143 ] . وقال قائلون : ذكر هذا في أهل السّماوات فثبت أنهم يكونون كما ذكر بما قالوا تعظيما لذلك وإنكارا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
، أي : ما ينبغي له ولد
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
، وفي الشاهد لا أحد يتخذ الولد من عبيده ، فكيف ينبغي لمن له ملك السماوات والأرض وكلهم عبيده - أن يتخذ ولدا من عبيده .
وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
، وأسباب الأولاد التي بها يتخذ الولد ليست فيه ؛ لأن في الشاهد إنما يتخذ الولد لثلاث ، وقد ذكرناها في غير موضع ، فإن كان الله - سبحانه - يتعالى عن ذلك كله ، لم ينبغ له أن يتخذ الولد . وقال بعضهم في قوله :
إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
في الآخرة ، أي : كلهم يقرون بالعبودية له يومئذ . وقوله - عزّ وجل - :
لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا
: يحتمل قوله :
أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا
من عدّ أنفسهم وإحصائه ، أي : لا يخفى عليه شيء . أو أن يكون على الوعيد أن يحصى أقوالهم وأفعالهم بما سلط عليهم من الملائكة ما يراقبون ذلك منهم ، كقوله :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
[ ق : 18 ] ، وقوله :
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 262 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم