تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
. قال بعضهم « 1 » : أي : كنت تعودني الإجابة في دعائي إياك فيما مضى . وقال بعضهم : أي : لم يكن دعائي مما يخيب عندك ، وهما واحد ، ذكر مننه وفضله [ الذي ] كان منه إليه . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
. قال الحسن : خاف مواليه أن يرثوا ماله ، فأما علمه ونبوته فمما لا يورث . قال أبو بكر الأصم : هذا لا يصح ، لا يحتمل أن يخاف زكريا وراثة ماله مواليه ؛ فيسأل ربه لذلك الولد ليرثه ماله ، ولكن خاف أن يضيّع مواليه دينه وسننه من بعده ؛ فسأل ربه أن يهب له الولد ليقوم مقامه في حفظ دينه وسننه . وقال : لا يحتمل وراثة المال ؛ لما روي في الخبر : « إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » ، فلا يخلو هذا من أحد وجهين : إمّا أن كان هذا في المال له خاصّة دون سائر الأنبياء ، وإما إذن لم يكن زكريا نبيّا فدلّ هذا أنه لا يحتمل وراثة المال فدلّ أنه على العلم : أن يضيع الموالي علمي من ورائي . ويحتمل قوله :
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
، وسؤاله الولد وجها آخر ، وهو أنه سأل ربه الولد الرضى الطيب ؛ ليذكر هو به بعد وفاته بالأعمال والصنيع الذي كان منه في حياته ، ويدعى له ، لئلا ينقطع ذكره ، ودعاء الخلق له ، وهذا هو المعروف في الخلق أنهم يذكرون ويدعون لهم بالخيرات التي كانت في حال حياتهم ، إذا كان له ولد صالح فعلى ذلك سؤال زكريا الولد ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
أي : لا تلد . وقوله - عزّ وجل - :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي
أي : يلي أمري . وقوله :
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
. قال بعض أهل التأويل : ما ذكرنا : يرثني مالي ، ويرث من آل يعقوب النبوة ، وقيل :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
وارثا يرثني مكاني ، ونبوتي ، ويرث من آل يعقوب الملك ؛ لأنهم كانوا ملوكا ، وكانوا أخواله ، وهو كان حبرا ، والله أعلم بذلك . ولكن قوله :
يَرِثُنِي
ما كان له من العلم والحكمة والدّين وغيره ، ويرث من آل يعقوب ما كان لهم من العلوم وغيرها ، فإن ثبت أن آل يعقوب كانوا أخواله ، ففيه دلالة أن ذوي الأرحام يرثون بعضهم من بعض ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) قاله ابن جريج ، أخرجه ابن جرير عنه ( 23482 ) .