تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وفيه : أن الثنيا إنما تلزم في كل فعل مستقبل مما يشك فيه ويرتاب ، فأما ما كان سبيل معرفته الوحي واليقين - فإنه لا يستثنى فيه حيث قال موسى لفتاه
لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
: قال ذلك من غير ثنيا ؛ لأنه - عزّ وجل - أمره أن يأتيه ، ولا يحتمل أن يؤمر بالإتيان في مكان ، ثم هو يشك أنه لعله لا يأتيه ؛ لذلك قطع القول فيه ، وكذلك قول ذلك العبد الصالح لموسى :
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
: قطع القول فيه من غير ثنيا ؛ لأنه علم بالوحي أنه لا يصبر على ما يرى منه ، وأمّا موسى فإنه قد استثنى فيما وعد أنه يصبر ؛ لأنه أضاف إلى حادث من الأوقات على الشك منه أنه يصبر أو لا يصبر ، وعلى الارتياب ليس على اليقين ، فقال :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
مما ذكرنا . وفيه : أن الرجل إذا اختلف إلى عالم يقتبس منه العلم ويتعلم منه ، فرأى منه مناكير ومظالم - يلزمه أن يفارقه ، ولا يتعلم منه العلم ؛ كصنيع موسى بصاحبه ؛ لما رأى ؛ من خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وغيره مما كان منكرا وظلما في الظاهر ، وإن كان ما فعل هو فعل الأمر كره موسى صحبته ، وندم على ذلك أشدّ الندامة حتى جعله على علم من ذلك كله ، فهكذا الواجب على الرجل إذا رأى مناكير من الذي يأخذ منه العلم ومظالم أن يفارقه ولا يأخذ من علمه ، والله أعلم . وفي قوله :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً
دلالة أن الاختيار والمستحب في الثنيا أن يكون في ابتداء الكلام ؛ لأن موسى ابتدأ به ، وكذلك قوله :
وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
[ البقرة : 70 ] ، فإذا تركه في أول كلامه أو نسي يستثنى في آخره ؛ فيعمل عمله في دفع الخلف في الوعد والكذب ، وعلى هذا تأوّل بعض النّاس قوله :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
[ الكهف : 24 ] ، أي : استثن في آخره إذا نسيت في أوّل كلامك ، والله أعلم . ثم هذه القصص والأنباء التي ذكرت لرسول الله على أثر سؤال كان منهم ، على ما ذكرنا في قصة أصحاب الكهف وغيرها من القصص ، أو على غير سؤال ، ولكن كانت في كتبهم ؛ فذكرها له ليعلم أنّه إنما عرف بالله تعالى . ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي أمر موسى على طلب العلم من عند ذلك الرجل وبعثه عليه . قال بعضهم « 1 » : وذلك أن موسى قام خطيبا في قومه ، فخطب خطبة لم يخطب قط
هامش
( 1 ) ورد في معناه حديث عن ابن عباس : أخرجه البخاري ( 9 / 331 - 332 ) كتاب التفسير : باب قوله :فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً( 4726 ) ، ومسلم ( 4 / 1847 ) ، كتاب الفضائل : باب من -