تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وجائز أن يكون المراد بهذا الخطاب غير النبي ، وهو الأشبه ؛ لما لا يحتمل أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلّم يعد عدة ولا يذكر الثنيا ؛ لما يعرف ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله وإرادته ، وأما غير النبي فجائز ألا يعرف ذلك ؛ لذلك كان غيره أولى به يخرج منه على التعريف لهم والعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
: هذا يحتمل وجهين : أحدهما :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
أي : إذا ذكرته بعد ما نسيت فاذكره ؛ كقوله :
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ الأنعام : 68 ] فعلى ذلك هذا . والثاني :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
، أي : الثنيا في آخر الكلام إذا نسيت أوله - أعني : الثنيا - إذ المستحب أن يستثني في أول كلامه على التبرك ؛ كقوله :
وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
[ البقرة : 70 ] استثنوا أولا ثم وعدوا ، فهو المستحب ، فكأنه قال :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ
: الثنيا في آخر كلامك
إِذا نَسِيتَ
في أوله وهو الثنيا ، وهذا يرد على أصحاب الظاهر ؛ لأن ظاهر الكتاب أن يخاطبهم بذكره إذا نسوا ، ولا يجوز أن يخاطب أحدا في حال نسيانه ، فإذ لم يفهم من هذا هذا ، دل أنه لا يفهم على ما خرج ظاهره ، ولكن على ما يصح ويوجب الحكمة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً
. قال بعضهم : أي : قل : عسى أن يهديني ربي لآية هي أوضح على دلالة رسالتي وآخذ مما تسألونني من أمر أصحاب الكهف ؛ لأنهم كانوا : يسألونه عن خبرهم فيستدلون على رسالته وصدقه ؛ فيقول : قد هداني ربي لآية على دلالة رسالتي أوضح مما تسألونني وآخذ للقلوب ؛ إذ كانت له آيات حسيات على رسالته . وقال الحسن : قوله :
وَقُلْ عَسى
وعسى من الله واجب ، أي : قد هداني ربي الرشد والصواب ، وأما غيره من أهل التأويل يقولون : إنه وعد لأولئك أن يخبرهم غدا عما يسألونه ، وقال : عسى أن يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد الذي وعدت ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ
. قال بعضهم : هو صلة قول أولئك الذين قالوا :
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ . . .
الآية ، مع قوله : إنهم لبثوا في كهفهم ما ذكرنا ، فأمره أن يقول لهم :
اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا . . .
الآية .