تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
أحدهما : على التقديم والتأخير على ما قاله أهل التأويل ، أي : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعله عوجا . والثاني : على زيادة ( بل ) كأنه قال : ( أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا بل جعله قيما ) ؛ على أحد هذين الوجهين يخرج والله أعلم . ثم قوله :
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً . قَيِّماً
إذا لم يكن عوجا كان قيما ، وإذا كان قيما كان غير عوج ، في كل واحد من الحرفين معنى الآخر ، إلا أن من عادة العرب تكرار الكلام وإعادته على التأكيد ، كقوله :
مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ
[ النساء : 25 ] وإذا كن مسافحات لم يكن محصنات ، حرفان مؤديان معنى واحدا ، إلا أنه كرّر ، لما ذكرنا [ أن ] من عادة العرب التكرار ، وكذلك ما ذكر :
لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً
البأس : هو الشديد ، والشديد هو البأس ، هما واحد ، فعلى ذلك الأول . ثم اختلف في قوله
قَيِّماً
قال بعضهم : القيم : هو الشاهد ، أي : القيم على الكتب المتقدمة ، والشاهد عليها في الزيادة والنقصان ، وفي التغيير والتحريف يبين ما زادوا فيها ، وما نقصوا وما حرفوه ، وما غيروه ، كقوله :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ . . .
الآية [ البقرة : 79 ] . وقوله :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
[ النساء : 46 ] . وقوله :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً . . .
الآية [ آل عمران : 78 ] كانوا يحرفون نظمه ورصفه ، ومنهم من كان يحرف أحكامه وشرائعه ؛ فهذا القرآن شاهد ، وقيم في بيان ما فعلوا . وقال بعضهم قوله :
قَيِّماً
أي : ثابتا قائما أبدا لا يبدّل ، ولا يغير ، ولا ينسخ ولا يزداد ، ولا ينقص ، وهو على ما وصفه
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ . . .
الآية [ فصلت : 42 ] . وهو على ما وصف الحق بالثبات والقيام والباطل بالذهاب والتلاشي
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ . . .
الآية [ الرعد : 17 ] وما وصف الكلمة الطيبة بالثبات والقيام لها ، والخبيثة بالزوال والتغيير والذهاب فعلى ذلك هذا القرآن ، لأنه حق . وقال بعضهم « 1 » :
قَيِّماً
، أي : مستقيما ، وتأويل المستقيم : المستوي الموافق ، أي : يصدق بعضه بعضا ، ويوافق أوله آخره ، وآخره أوله ، أي : لم يخرج مختلفا ، وهو على ما قال :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] ، ولو كان من عند غير الله على ما قال أولئك الكفرة ، لكان خرج مختلفا متناقضا ، ينقض أوله
هامش
( 1 ) قاله الضحاك أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 4 / 382 ) .