تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
أي : كفرت بالشكر لأنعم الله ، أي : لم يشكروها ، ليس أنهم لم يروها من الله - تعالى - وقوله - عزّ وجل - :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
. اللّباس : هو ما يستر وجوه الجواهر ، ألا ترى أنه سمى الليل لباسا ؛ لما ستر وجوه الأشياء ؛ فعلى ذلك الجوع يرفع الستر واللباس الّذي كان قبل الجوع ؛ لأن الجوع إذا اشتد غيّر وجه صاحبه ، ورفع ستره ، والجوع : ما ذكر أنه أصابهم جوع حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة . والخوف : [ ما ] ذكر أنه بعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم إليهم ؛ ألا ترى أنه قال : « نصرت بالرّعب مسيرة شهرين » « 1 » ، وقيل : الخوف : القتل . وقوله :
رَغَداً
. قال الكسائي : رغد الرجل إذا أصاب مالا أو عيشا من غير عناء وكدّ . وقال القتبي « 2 » : رغدا ، أي كثيرا واسعا . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ
. قوله :
رَسُولٌ مِنْهُمْ
، أي : من أنفسهم ، من نسبهم وحسبهم ، يعرفونه ، كقوله :
يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
[ البقرة : 146 ] .
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ
. بالتكذيب ؛ حيث وضعوا الشيء في غير موضعه ، أو ظالمون على أنفسهم . أخبر أنه بعث الرسول من جنسهم ومن حسبهم ؛ لأنه إذا كان من غير جوهرهم لم يظهر لهم الآية من غير الآية ، ولا الحجة من الشبهة ؛ لأنه إذا خرج على غير المعتاد والطوق عرفوا أنه آية ، وأنه حجة ؛ إذ لا يعرفون من غير جوهرهم الخارج عن المعتاد والطوق ، ويعرف ذلك من جوهرهم ، وكذلك يعرف صدق من نشأ بين أظهرهم من كذبه ، ولا يعرف إذا كان من غيرهم . وقوله - عزّ وجلّ - :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
. قال بعضهم : الحلال والطيب : واحد ، وهو الحلال ، كأنه قال : كلوا ما أحل لكم ؛ كقوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ
[ النساء : 3 ] ، أي : ما حل لكم . وقال بعضهم :
حَلالًا طَيِّباً
، أي : حلالا يطيب لكم ما تتلذّذون به ؛ لأن من الحلال ما لا تتلذذ به النفس ولا
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد ( 8 / 262 ) ، عن ابن عباس قال : نصر رسول الله بالرعب على عدوه مسيرة شهرين . وقال الهيثمي : وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، وهو ضعيف . ( 2 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 249 ) .