أي : الباقون ، يفنى الخلق كله ؛ فيبقى هو ، ولذلك سمي من خلف الميت وارثا ؛ لأنه يموت ويبقى الوارث ؛ وهو باق وكذلك يخرج قوله :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها
[ مريم : 40 ] والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ
.
قال بعضهم : ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم ؛ ما حل بهم بالتكذيب ، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم .
وقال بعضهم : ولقد علمنا من كان منهم ومات ، وقد علمنا المستأخرين : من يكون منهم ويولد ؛ ولذلك قال :
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ
: من مضى ومن بقي لم يكن بعد ؛ إلى يوم القيامة .
وقال الحسن « 1 » :
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ
في الخير
الْمُسْتَأْخِرِينَ
في الشّر .
وقال بعضهم « 2 » : في القرن الأول والآخر ، لكنه بعيد « 3 » .
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
.
الحكيم : هو الذي يضع الأشياء مواضعها .
والثاني : هو الذي يجعل الأشياء مواضعها « 4 » ، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها ، وأما الثاني : فلا يكون ذلك إلا بالله .
وقوله :
عَلِيمٌ
: عليم بمصالح الخلق ، وما لهم وما عليهم . أو عليم بوضع الأشياء مواضعها .
قوله تعالى :
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 26 إلى 44 ]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 )
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 ) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32 ) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 33 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 )
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 36 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 ) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 )
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 43 ) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ( 44 )
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 21133 ، 21132 ) وابن المنذر ، كما في الدر المنثور ( 4 / 181 ) .
( 2 ) قاله مجاهد ، كما في تفسير البغوي ( 3 / 48 ) .
( 3 ) قال القرطبي : هذه الآية تدل على فضل أول الوقت في الصلاة ، وعلى فضل الصف الأول ، وكما تدل على فضل الصف الأول في الصلاة ، كذلك تدل على فضل الصف الأول في القتال ؛ فإن القيام في وجه العدو ، وبيع العبد نفسه لله - تعالى - لا يوازيه عمل ، ولا خلاف في ذلك .
ينظر : اللباب ( 11 / 449 ) .
( 4 ) في أ : موضعها .