تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
وقوله - عزّ وجل - :
ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ
. دل هذا أنه قد كان منه أيضا التفتيش والطلب في وعاء أخيه ؛ على ما كان في أوعيتهم [ لا يستخرجها ] « 1 » على غير تفتيش . وقوله - عزّ وجل - :
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ
. هذا يحتمل وجهين : يحتمل
كَذلِكَ كِدْنا
أي علمنا يوسف - من أول الأمر إلى آخره - ما يكيد ويحتال في إمساك أخيه عنده ومنعه عنهم ؛ لأن يخلو لهم وجه أبيهم جزاء ما طلبوا هم : أن يخلو لهم وجه أبيهم ؛ بتغييب يوسف عن أبيه ؛ لأن أباهم قال :
حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
[ يوسف : 66 ] فلما بلغه ذلك الخبر - تولى عنهم ؛ وهو قوله :
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ . . .
الآية [ يوسف : 84 ] ؛ هذا - والله أعلم - جزاء كيدهم الذي كادوا بيوسف ليخلو لهم وجه أبيهم ؛ ليتولى عنهم أبوهم ، هذا يشبه أن يكون . والثاني :
كِدْنا لِيُوسُفَ
أي : علمناه أن كيف يفتش أوعيتهم لئلا يشعروهم أنه عن علم استخرجها من وعاء أخيه ؛ لا عن جهل وظن ، فعلمه البداية في التفتيش بأوعيتهم ؛ لئلا يقع عندهم أنه عن علم ويقين يأخذه . يشبه - والله أعلم - أن يخرج قوله :
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ
على هذين الوجهين . أو
كِدْنا لِيُوسُفَ
أي : أمرنا يوسف بالكيد بهم ؛ جزاء ما عملوا بمكانه لما اهتموا بإمساك أخيهم . وقوله - عزّ وجل - :
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
. أي في حكم الملك ، ذكر أن حكم إخوة يوسف وقضاءهم فيهم : أن من سرق يكون عبدا بسرقته للمسروق منه ، ويستعبد بسرقته ، ومن حكم الملك : أن يغرم السارق ضعفي ما سرق ؛ ويضرب ويؤدب ؛ ثم يخلى عنه ، ولا نعلم ما حكم الملك في السرقة ، سوى أنه أخبر أن ليس له أخذ أخيه في دين الملك . وقوله - عزّ وجل - :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك ، أو يجعل له حق الأخذ وحبسه ؛ وإن لم يكن ذلك في حكمه . أو أن يكون قوله :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
على ما كان من إبراهيم :
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً
الآية [ الأنعام : 80 ] وكان الأنبياء - عليهم السلام - يذكرون الثنيا على حقيقة المشيئة ، أو يقول : إلا أن يكون في علم الله مني زلة ؛ فأستوجب عند ذلك الكون في دين ذلك الملك ؛ فيشاء ما علم مني ، وكذلك قول إبراهيم حيث قال :
هامش
( 1 ) في ب : لم يخرجها .