تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وقوله :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
: قال بعضهم : عاد كل ماء إلى من حيث خرج : ما أرسل من السماء عاد إليها ، وما خرج من الأرض غاض في الأرض وغار فيها . وقال بعضهم : لا ولكن أمسك السماء من إرساله ، وأمسك الأرض من نبعه . وقوله - عزّ وجل - :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
ليس على القول لهم ، ولكن الله أمسكهما من إرساله ونبعه . ويحتمل على القول منه لهم باللطف جعل فيهم ما يفهم هذا .
وَغِيضَ الْماءُ
أي : غار الماء في الأرض .
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
: بهلاك قوم نوح ويحتمل على التكوين على ما ذكر
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
أي : استقرت على الجودي وهو جبل
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي هلاكا ويحتمل بعدا للقوم الظالمين من رحمة الله « 1 » . وقال القتبي « 2 » : مرساها أي تقف . وقوله - عزّ وجل - :
يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
: يمنعني من الماء ، وقال :
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
قال القتبي « 3 » : لا معصوم اليوم من عذاب الله ؛ كقوله :
مِنْ ماءٍ دافِقٍ
هامش
( 1 ) في هذه الآية ألفاظ كل واحد منها دال على عظمة الله - تعالى - : فأولها : قوله :وَقِيلَ، وهذا يدل على أنه - سبحانه - في الجلال والعظمة بحيث أنه متى قيل لم ينصرف الفعل إلا إليه ، ولم يتوجه الفكر إلا إلى ذلك الأمر ؛ فدل هذا الوجه على أنه تقرر في العقول أنه لا حاكم في العالمين ولا متصرف في العالم العلوي والسفلي إلا هو . وثانيها : قوله :يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي؛ فإن الحس يدل على عظمة هذه الأجسام ، والحق - تعالى - مستول عليها متصرف فيها كيف شاء وأراد ؛ فصار ذلك سببا لوقوف القوة العقلية على كمال جلال الله - تعالى - وعلو قدره وقدرته وهيبته . وثالثها : أن السماء والأرض من الجمادات ، فقوله : ( يا أرض ويا سماء ) مشعر بحسب الظاهر على أن أمره وتكليفه نافذ في الجمادات ، وإذا كان كذلك حكم الوهم بأن نفوذ أمره على العقلاء أولى ، وليس المراد منه أنه تعالى يأمر الجمادات ؛ فإن ذلك باطل ، بل المراد أن توجيه صيغة الأمر بحسب الظاهر على هذه الجمادات القوية الشديدة يقرر في الوهم قدر عظمته وجلاله تقريرا كاملا . ورابعها : قوله :وَقُضِيَ الْأَمْرُومعناه : أن الذي قضى به وقدره في الأزل قضاء جزما فقد وقع ، ذلك يدل على أن ما قضى الله - تعالى - به فهو واقع في وقته ، وأنه لا دافع لقضائه ، ولا مانع من نفاذ حكمه في أرضه وسمائه . ينظر اللباب ( 10 / 499 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 204 ) . ( 3 ) ينظر : السابق .