تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ .
قال بعضهم : الآية صلة قوله :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً
[ التوبة : 124 ] ، أي : كان ينظر « 1 » بعضهم إلى بعض ثم يقولون ما ذكر . ومنهم من يقول : إذا كانت السورة التي نزلت حجة في إظهار الدين والإيمان ، يسمعون ويقولون :
أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً
وإذا أنزلت في إظهار نفاقهم وافتضاحهم نظر بعضهم إلى بعض ، ثم انصرفوا ولا يسمعون منه السورة ؛ إشفاقا لئلا يظهر نفاقهم . وقوله :
صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ .
يحتمل خلق الله منهم انصرافهم فأضيف إليه الصرف ، ويشبه أن يكون قوله :
صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
عقوبة ، أي : عاقبهم الله بصرف قلوبهم باعتقادهم العناد وردهم الحجج وتركهم القبول . قوله تعالى :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 128 إلى 129 ]

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 129 ) وقوله - عزّ وجل - :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ .
اختلف فيه : قال بعضهم :
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
، [ أي ] « 2 » : من البشر وهو امتنان منه عليهم ؛ حيث بعث الرسول من البشر وله أن يبعث من غير البشر ، لكنه بعث من البشر ؛ ليعرفوا « 3 » الآيات التي يأتي بها من التمويهات ؛ لأنهم يعرفون مبلغ وسع البشر في الأشياء وقدر إمكانهم بعلم الأشياء ، فإذا جاء بالأشياء التي هي خارجة عن « 4 » الطباع ووسع البشر في التعليم « 5 » ، عرفوا أنها آيات لا تمويهات ، مع [ ما ] « 6 » يألف كل ذي جنس بجنسه وينفر من غير جنسه ، هذا ظاهر في الخلائق أن كل ذي جنس يألف بجنسه ولا يألف بغير جنسه ، فبعث الرسول من البشر ومن جنسهم ؛ ليألفوا به ، ويقبلوا منه ما يأتيهم به ويجيبوه إلى ما يدعوهم إليه . وقال بعضهم :
رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
، أي : من المكان الذي أنتم فيه وهو الحرم . وقال آخرون « 7 » :
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
، أي : من أنسابكم ، وهو أيضا موضع الامتنان عليهم ؛ حيث بعثه من أنسابهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه « 8 » من بين أظهرهم سليما عن جميع الآفات بريئا عن جميع المطاعن والعيوب ؛ لأن المرء إذا كان مولده ومنشؤه « 9 » من
هامش
( 1 ) في أ : نظر . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : لتعرفوا . ( 4 ) في أ : من . ( 5 ) في ب : التعلم . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) ذكره البغوي 2 / 341 ، وكذا أبو حيان في البحر ( 5 / 120 ) . ( 8 ) في ب : ونشأة . ( 9 ) في ب : ونشأه .