تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
فإن قيل : الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم ، لا من الكل ، فكيف هزم الكل ؟ وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض ، كيف عاقب الجميع ؟ قيل : لأن له أن يتلف الكل ابتداء . ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين [ ثم ] « 1 » في الأمر بالجهاد أمرا على غير وسع ، ولا كذلك في سائر العبادات ؛ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم ، وليس في وسع أحد القيام لاثنين ، فهو - والله أعلم - لما أن له أن يكلف قتل أنفسهم وإتلافها . ألا ترى أنه قال :
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ . . .
[ النساء : 66 ] الآية ، ولو لم يجز له أن يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره ، دل أن ذلك له ، وأن له أن يميتهم ويهلكهم ؛ فعلى ذلك [ له ] أن يأمر بقتل أنفسهم ، فإذا كان له ذلك ؛ إذ في وسعهم قتل أنفسهم ؛ فعلى ذلك [ له ] أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد ، وإن كان في ذلك تلف أنفسهم . وكذلك أمرنا بمجاهدة الشيطان عدونا ، وأخبر أنه يرانا ولا نراه نحن بقوله :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
[ الأعراف : 27 ] والمحاربة مع عدو لا نراه وهو يرانا أمر صعب شديد ، لكن الله علمنا أسباب ما نحارب معه ونجاهد فنغلبه ، وقال في الشيطان « 2 » :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
[ الأعراف : 200 ] وقال :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
الآية [ الأعراف : 201 ] علمنا أسبابا نقاتل بها الشيطان فنغلبه ونقهره ، وهي ما ذكر من ذكره لا يقوم هو لذلك ، وكذلك قال في العدو الذي نراه من البشر ؛ حيث قال :
إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً
[ الأنفال : 45 ] وقال :
وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
[ الأنفال : 46 ] قد علمنا أسباب الجهاد معه ، وأعلمنا الحيل التي تجوز لواحد القيام لاثنين فصاعدا بالحيل ، وإذا لم يكن له الوسع به بالقوة نفسها . ثم الفرق بين الجهاد وغيره من العبادات ؛ لما يحتمل أن جعل الله الجهاد آية من آيات الحق والرسالة « 3 » ؛ ليعلم الخلائق أن النصر والظفر كان بالله ، لا بغيره ؛ ليظهر الحق من الباطل ، والمحق من المبطل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ .
هذا على التمثيل ؛ يقال عند شدة الحزن والغضب وعند بلوغها [ الغاية والنهاية ] « 4 » :
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : الشياطين . ( 3 ) في ب : أو الرسالة . ( 4 ) سقط في أ .