أي : لم يعطهم الأولاد والأموال لعبا وباطلا ، أو لتكون لهم الأموال والأولاد ، ولكن أعطاهم محنة وابتلاء ، وكذلك جميع ما أنشأ في الدنيا من الأشياء إنما أنشأها لنا فتنة ومحنة ؛ كقوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ . . .
الآية [ البقرة : 155 ] ، وقوله :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
[ الأنبياء : 35 ] ، وقال :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ . . .
الآية [ الأعراف : 168 ] ، وغيرها « 1 » من الآيات ؛ يدل على أن جميع ما أنشأ فتنة ومحنة يمتحن به البشر ؛ كقوله « 2 » :
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
أي : محنة وابتلاء امتحنا به في أنواع التأديب والتعليم والحفظ والحقوق التي جعلها لهم « 3 » عليهم ، [ و ] « 4 » هو كقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ . . .
الآية [ التحريم : 6 ] ، وأوجب في الأموال حقوقا امتحننا « 5 » بأداء تلك الحقوق التي فيها ، وكذلك في جميع ما أمر الله به الخلائق بأمور ونهاهم إنما أمر ونهى لمنفعة الخلائق ، ودفع الضرر عنهم ، لا لمنفعة نفسه ، أو ضرر ، أو حاجة يدفع بها عن نفسه ؛ إذ له ملك ما في السماوات والأرض ، وهو العزيز بذاته لا تمسه حاجة ، يتعالى عن ذلك .
وقوله - عزّ وجل - :
وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .
لمن لم يخن الله والرسول ؛ وعدهم الأجر العظيم إذا قاموا بوفاء ما امتحنهم الله وابتلاهم به من الأموال والأولاد ؛ حيث قال :
وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .
وقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً .
قال بعض أهل التأويل : إن هذه الآية صلة ما سبق من الأمر بالجهاد ببدر والخروج إليه ؛ كأنه قال : إن تتقوا الله وأطعتم الله وأجبتم له فيما دعاكم إليه ،
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
، [ يحتمل قوله :
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
] « 6 » أي : يجعل خروجكم إليه وجهادكم آية عظيمة يظهر بها المحق من المبطل ؛ كقوله :
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
[ الأنفال : 7 ] ، وقال :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
[ الأنفال : 8 ] ، أي : ليظهر الحق من الباطل ، وقد كان بحمد الله ذلك ، وبان الحق من الباطل ، والمحق من المبطل .
وقيل « 7 » : قوله :
فُرْقاناً
، أي : مخرجا في الدين من الشبهات .
هامش
( 1 ) في أ : أو غيره .
( 2 ) في أ : بقوله .
( 3 ) في أ : له .
( 4 ) سقط في أ .
( 5 ) في أ : امتحانا .
( 6 ) سقط في أ .
( 7 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 243 ) ونسبه لمقاتل بن حيان . وكذا ابن عادل في اللباب ( 9 / 499 ) .