تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
معلوم أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لم يكن من الغافلين في حال ، ولكن على النهي لأمته ؛ كقوله :
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
[ البقرة : 147 ] ، و
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 14 ] ونحوه ، نهاه أن يكونن ما ذكر ؛ لما ذكرنا نهيا لغيره ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ .
قالت المشبهة : لو لم يكن [ بين الله ] « 1 » وبين الملائكة قرب الذات لكانوا هم والبشر بقوله :
عِنْدَ رَبِّكَ
سواء ، لكان لا معنى لتخصيص الملائكة بذلك . لكن التأويل عندنا في قوله :
عِنْدَ رَبِّكَ :
في الطاعة والخضوع ، أو في الكرامة والمنزلة ، ليس على قرب الذات ، ولكن على ما وصف - عزّ وجل - :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] ، وقوله :
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 20 ] وصفهم بالطاعة له والخضوع ؛ فعلى ذلك الأول ، ليس على قرب الذات ، ولكن على ما ذكر من الطاعة والخضوع . ألا ترى أنه قال :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
[ العلق : 19 ] ليس على أنه في الأرض يقترب « 2 » منه إذا سجد ؟ ! . وأصل ما يضاف إلى الله من جزئية الأشياء يخرج مخرج تعظيم تلك الجزئيات ؛ كقوله :
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ
[ الجن : 18 ] خصّ المساجد بالإضافة إليه ، وإن كانت البقاع كلها له ؛ تعظيما لها ، وكذلك قوله : الكعبة بيت الله الحرام ، وإن كانت البيوت كلها له ، ونحو ذلك مما أضاف ذلك إلى نفسه من جزئيات الأشياء ؛ تعظيما لذلك وإجلالا ؛ فعلى ذلك الأول ، أضافهم إلى نفسه إما لطاعة لهم إياه والخضوع ، وإما لكرامة لهم والمنزلة ، وإضافة كلية الأشياء إلى الله تخرج مخرج تعظيم الربّ ؛ من ذلك قوله :
لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] وقوله :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ آل عمران : 29 ] ، وقوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الرعد : 16 ] . ومن الناس من استدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية ؛ لكنا « 3 » نقول : إن الأفضل عند الله الأطوع له والأخضع والأتقى والأقوم لأمره ونهيه ؛ على ما ذكرنا :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] لا نشير أن هؤلاء أفضل من هؤلاء ، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم .
هامش
( 1 ) في أ : بينه . ( 2 ) في ب : يقرب . ( 3 ) في أ : لكن .