تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
وقوله - عزّ وجل - :
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
. وقال في آية أخرى :
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
[ الشعراء : 34 ] ، يحتمل أن يكون فرعون قال للملإ : إن هذا كذا ، ثم قال الملأ لقومه : إن هذا لساحر عليم ، أراد - والله أعلم - تلبيس ما أتى به موسى من الآية على قومه ، وأراد بقوله :
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ
[ الشعراء : 35 ] إغراء قومه عليه . والسحر عندنا « 1 » هو من آيات الرسالة ولو كان ما أتى [ به ] « 2 » موسى سحرا كان ذلك
هامش
( 1 ) السحر - بالكسر وسكون الحاء المهملة - هو فعل يخفى سببه ويوهم قلب الشيء عن حقيقته ، كذا قال ابن مسعود . وفي « كشف الكشاف » : السحر في أصل اللغة الصرف ، حكاه الأزهري عن الفرّاء ويونس ، وقال : وسمّى السحر سحرا ؛ لأنه صرف الشيء عن جهته ، فكأن الساحر لما أرى الباطل حقّا ، أي : في صورة الحق ، وخيل الشيء على غير حقيقته - فقد سحر الشيء عن وجهه ، أي صرفه . وذكر عن الليث أنه عمل يتقرب به إلى الشيطان ومعونة منه ، وكل ذلك الأمر كينونة السحر ، فلم يصل إلىّ تعريف يعوّل عليه في كتب الفقه . والمشهور عند الحكماء منه غير المعروف في الشرع ، والأقرب أنه الإتيان بخارق عند مزاولة قول أو فعل محرم في الشرع ، أجرى الله سبحانه سنته بحصوله عنده ابتداء ، فإن كان كفرا في نفسه كعبادة الكواكب ، أو انضم معه اعتقاد تأثير من غيره تعالى كفّر صاحبه ، وإلا فسّق وبدّع . نقل في الروضة عن كتاب الإرشاد لإمام الحرمين : أن السحر لا يظهر إلا على فاسق ، كما أن الكرامة لا تظهر إلا على متّق ، وليس له دليل من العقل إلا إجماع الأمة ، وعلى هذا تعلمه حرام مطلقا وهو الصحيح عند أصحابنا ؛ لأنه توسل إلى محظور عنه للغنى . انتهى . وفي البيضاوي في تفسير قوله تعالى :يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ[ البقرة : 102 ] المقصود بالسحر : ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان ، مما لا يستقل به الإنسان ، وذلك لا يحصل إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس ، فإن التناسب شرط في النظام والتعاون ، وبهذا يميز الساحر عن النبي والولي . وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية ، أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم ، وتسميته سحرا على التجوز ، أو لما فيه من الدقة ؛ لأن السحر في الأصل موضوع لما خفي سببه ، انتهى . وفي الفتاوى الحمادية : السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم ، فيتخذ من تلك الجواهر هيكل مخصوص على صورة الشخص المسحور ويترصد له في وقت مخصوص في المطالع ، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع ، ويتوصل في تسميتها إلى الاستعانة بالشياطين ، وتحصل من مجموع ذلك - بحكم إجراء الله العادة - أحوال غريبة في الشخص المسحور . انتهى . وكونه معدودا من الخوارق مختلف فيه . وقال الحكماء : السحر مزج قوى الجواهر الأرضية بعضها ببعض . قال الإمام فخر الدين الرازي في « التفسير الكبير » : اعلم أن السحر على أقسام : القسم الأول : سحر الكلدانيين والكسدائين الذين كانوا في قديم الدهر ، وهم قوم يعبدون الكواكب ، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة -