تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
مخالفة بنيتها بنية غيرها ؛ إما خلقة ، وإما في ابتداء إحداثها وإنشائها أو في أي شيء كان ، فأضافها إليه لذلك ، والله أعلم . ثم لا يجب أن يتكلف المعنى الذي له جعل الناقة آية ؛ لأنه - جلّ وعلا - لم يبين لنا ذلك المعنى ، فلو تكلف ذكر ذلك فلعله يخرج على خلاف ما كان في الكتب الماضية ، فهذه القصص وأخبار الأمم الماضية إنما ذكرت في القرآن ؛ لتكون آية لرسالة محمد - صلوات الله عليه وسلامه - فلو ذكرت على خلاف ما كان [ كان ] لهم في ذلك مقال . ويحتمل معنى الإضافة إليه وجها آخر ، وهو : أنه لم يجعل منافع هذه الناقة لهم ، ولا جعل عليهم « 1 » مئونتها « 2 » ، بل أخبر أن ذروها تأكل في أرض الله ، جعل مئونتها فيما يخرج من الأرض ، ليست كسائر النوق التي جعل مئونتها عليهم ، ومنافعها لهم بإزاء ما جعل عليهم من المؤن ، فمعنى التخصيص بالإضافة إليه لما لم يشرك فيها أحدا ولا في منافعها ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ
. دلالة أن تلك الناقة كان غذاؤها مثل غذاء سائر النوق ، وإن كانت خارجة عن طباع سائر النوق من جهة الآية ؛ ليعلم أنها وإن كانت آية لرسالته ودلالة لنبوته « 3 » فتشابهها لسائر النوق في هذه الجهة لا يخرجها عن حكم الآية ، فعلى ذلك الرسل وإن كانوا ساووا غيرهم من الناس في المطعم والغذاء لا يمنع ذلك من أن يكونوا رسلا ، والله أعلم بذلك . وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ
. يحتمل : لا تتعرضوا لها قتلا ولا قطعا ولا عقرا « 4 » لما ليست هي لهم ،
فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ
هامش
( 1 ) في ب : لهم . ( 2 ) يقال : مانه - مونا : احتمله وقام بكفايته فهو ممون . تقول : مان الرجل أهله كفاهم ، يقال تمون فلان : أكثر النفقة على عياله والمئونة : القوت وما يدخر منه . ينظر : المعجم الوسيط ( 2 / 892 ) ( مان ) . ( 3 ) في أ : النبوة . ( 4 ) العقر - بفتح العين - لغة الجرح ، يقال : عقر الفرس والبعير بالسيف عقرا : قطع قوائمه ، وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم ، والعقر لا يكون إلا في القوائم ، ثم جعل النحر عقرا ؛ لأن ناحر الإبل يعقرها ثم ينحرها ، والعقيرة : ما عقر من صيد أو غيره . وقد استعمله الفقهاء بالمعنيين الواردين . أحدهما : بمعنى الجرح ، وهو الإصابة القاتلة للحيوان في أي موضع من بدنه إذا كان غير مقدور عليه . جاء في الشرح الصغير للمالكية : العقر : جرح مسلم مميز وحشيّا غير مقدور عليه إلا بعسر . وفي البدائع : الجرح في أي موضع كان ، وذلك في الصيد وما هو في معنى الصيد . والثاني : بمعنى ضرب قوائم الحيوانات . ينظر : لسان العرب ( عقر ) ، والمصباح المنير ( عقر ) ، وبدائع الصنائع ( 5 / 43 ) ، والشرح الصغير ( 1 / 315 ) ، وحاشية ابن عابدين ( 3 / 230 ) .