تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وقوله - عزّ وجل - :
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
. اختلف فيه ؛ قيل « 1 » :
أَقِيمُوا
، أي : سووا وجوهكم نحو الكعبة ،
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
، أي : في كل مكان تكونون فيه ، وهو كقوله :
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً
[ يونس : 87 ] أي : اجعلوا بيوتكم نحو الكعبة ؛ كقوله - تعالى - :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ البقرة : 144 ] . وقيل « 2 » :
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ
، أي : اجعلوا عبادتكم لله ، ولا تشركوا فيها غيره ؛ كقوله :
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
، ويشبه أن يكون الوجه كناية وعبارة عن الأنفس ؛ كأنه قال : أقيموا أنفسكم لله ، لا تشركوا فيها لأحد شركا كقوله :
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ
[ لقمان : 22 ] أي « 3 » بجعل نفسه لله سالما . وقوله - عزّ وجل - :
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
. يحتمل الدعاء نفسه ، أي : ادعوه ربّا خالقا ورحمانا ،
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
: بالوحدانية والألوهية والربوبية . ويحتمل قوله :
وَادْعُوهُ
، أي : اعبدوه مخلصين له العبادة ، ولا تشركوا غيره فيها . ويحتمل : أي دينوا بدينه الذي دعاكم إلى ذلك وأمركم به . وقوله - عزّ وجل - :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
. قال قائلون : هو صلة قوله :
فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ
[ الأعراف : 25 ] ؛ كأنهم سألوا مما يعودون إذا بعثوا ، فقال :
كَما بَدَأَكُمْ
: خلقكم ،
تَعُودُونَ
مثله . ويحتمل أن يكون هو صلة قوله :
فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] ، يعودون كما كانوا في البداءة : الكافر كافرا ، والمؤمن مؤمنا . وقوله - عزّ وجل - :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
: هو من الدائمة ، ليس من الابتداء « 4 » ؛ لأنه
هامش
( 1 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 5 / 464 ) ( 14477 ، 14478 ، 14480 ) عن مجاهد ، و ( 14479 ) عن السدي ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 143 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد ، ولابن أبي حاتم عن أبي العالية . ( 2 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 5 / 465 ) ( 14482 ، 14483 ) عن الربيع بن أنس ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 143 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن أبي العالية . ( 3 ) في أ : أتى . ( 4 ) قال الفارسي :كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ[ الأعراف : 29 ] ليس على ظاهره ؛ إذ ظاهره : تعودون على البدء ، وليس المعنى تشبيههم بالبدء ؛ إنما المعنى على إعادة الخلق كما ابتدأ ، فتقديركَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ: كما بدأ خلقكم ، أي : يحيي خلقكم عودا كبدئه ، وكما أنه لم يعن بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه ، كذلك لم يعن بالعود من غير حذف المضاف الذي هو الخلق ، فلما حذف قام المضاف إليه مقام الفاعل ؛ فصار الفاعلون مخاطبين . كما أنه لما حذف المضاف من قوله : « كما -
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 402 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم