تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
قوله :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : أنشأهما بلا احتذاء « 1 » ولا امتثال بغير ، وقوله « 2 » هذا يرد على القرامطة قولهم ؛ [ لأنهم يقولون : خالق ، [ ولا يقولون مبدع ] « 3 » ، ويقولون : المبدع الثاني هو أول مخلوق خلق منه جميع العالم ، فلو كان أول خلق خلق مبدعا فهو مبدع ، والإبداع : هو إحداث شيء لم يسبق له أصل ولا مثال ؛ ولهذا يقال لمن أحدث في دينه شيئا : مبتدع ؛ لأنه أحدث فيه شيئا لم يسبق له أصل ولا مثال . وقوله - عزّ وجل - :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ
. أي : من قدر على إبداع السماوات والأرض ، لا عن أصل سبق ولا عن مثال تقدم ؛ فأنى يقع له الحاجة إلى الولد ؟ ! والولد في الشاهد إنما يتخذ ؛ [ لإحدى ] « 4 » خصال ثلاث : إما للانتصار على الأعداء والانتقام منهم ، وإمّا لوحشة تأخذهم ، وإما لحاجة تمسّهم ؛ فالله - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ذلك كله فأنى يتخذ ولدا ؟ ! والثاني :
أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ
، أي : تعرفون أن الولد لا يكون في الشاهد إلا عن صاحبة [ وليست له صاحبة ] « 5 » فأنى يكون له ولد ؛ كأن الخطاب كان في قوم ينفون عنه الصاحبة ، وإنما الحاجة إلى الصاحبة ؛ للشهوات التي مكنت فيهم ؛ فالشهوة هي التي تقهر المرء وتحمله على الحاجة . وقوله - عزّ وجل - :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
. فيه نقض قول المعتزلة ؛ لأنه أخبر أنه خلق كل شيء ، وعلى قولهم : لم يخلق جزءا من ألف جزء من الأشياء ؛ لأنهم يقولون : إن الله لم يخلق أفعال العباد ، ولا حركاتهم ، ولا سكناتهم « 6 » ، ولا قيامهم ، ولا قعودهم ، ولا شيئا من ذلك ، ثم لا يجوز أن تصرف الآية إلى الخصوص ، وهو يخرج مخرج الامتداح ، ولو جاز أن يصرف هذا على شيء دون شيء لجاز لغيرهم أن يصرفوا قوله :
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
إلى شيء دون شيء وكذلك قوله :
خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
على قول المعتزلة هو خالق بعض الأشياء ليس هو بخالق الأشياء كلها ؛ على ما أخبر فلئن جاز صرفه إلى بعض الأشياء دون بعض ؛ لجاز - أيضا - صرف قوله
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
.
هامش
( 1 ) في ب : اجتزاء . ( 2 ) زاد في ب :بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ. ( 3 ) بدل ما بين المعقوفين في أ : فهو مبدع . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) في ب : وسكونهم .