تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
اعتماد العموم إلا في قدر ما يمنعهم عن ذلك ، والعموم بجميع « 1 » الفرق كلهم باسم المساكين ، واسم تحرير الرقبة ، ولا دليل لهم على الخصوص إلا ضرب من القياس . ومن مذهبه أن إخراج بعض ما تضمنه الاسم لا يوجب خصوص ذلك ، فكذا يلزمهم ألا يخصوا الوجود التخصيص في غيره ؛ إذ ذلك أبعد ، على أنهم أجمعوا ألا يقاس ما ليس فيه ذكر التتابع على المذكور ، فمثله أمر الإيمان . وجملته : أنه قد يجوز في العتق مع قيام كثير من العيوب التي لا تحتمل التغير ؛ فيعيب الدين الذي يمكنه أحق ، وكذلك من قول الجميع : إن العجز بالمرض عن المكاسب لا يمنع ؛ إذ هو قد يزول ، فالذي لا عجز فيه ويمكنه اختياره أحق أن يجوز ، واللّه أعلم . ثم الأصل : أن اللّه - تعالى - في الكفارة التي جعل الإيمان فيها شرطا « 2 » ، ذكر العتق
هامش
( 1 ) في أ : لجميع . ( 2 ) ذهب الجمهور - ومنهم مالك ، والشافعي ، وأحمد - في مشهور مذهبه - والأوزاعي : إلى أن عتق الرقبة الكافرة في الكفارات لا يجزئ ، ولا تسقط الكفارة به . وذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، وعطاء ، وأبو ثور - إلى أن ذلك مجزئ ، ومسقط للكفارة ، وهو رواية عن الإمام أحمد . احتج الجمهور بما رواه مسلم والنسائي عن معاوية بن الحكم قال : كانت لي جارية فأتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم - فقلت : على رقبة ، أفأعتقها ؟ فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أين اللّه ؟ » فقالت : في السماء ؛ فقال : « من أنا ؟ » فقالت : أنت رسول اللّه ؛ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أعتقها ؛ فإنها مؤمنة » . ووجه الدلالة : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخّر الجواب عن السائل ؛ حتى علم ما عليه تلك الرقبة من الإيمان أو الكفر ، فلما تأكد له إيمانها أجابه صلى اللّه عليه وسلم بأن يعتقها ، وقال له : « فإنها مؤمنة » ؛ فلو لم يكن وصف الإيمان له دخل في إجزاء العتق ، لما كان لهذا التأخير فائدة ، ومثل ذلك يجلّ عنه مقام الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وأيضا فإنه - عليه الصلاة والسلام - علق عتقها على الإيمان ، وتعليق ذلك يدل على أن الإيمان علة الإجزاء ؛ لأن تعلق الحكم بالمشتق مؤذن بأن مبدأ الاشتقاق علة فيه . وقالوا : إن الرقبة في الآية - وإن كانت مطلقة غير مقيدة بوصف الإيمان - إلا أن هذا الحديث يصلح أن يكون مقيدا لها ؛ فيكون المقصود من الرقبة فيها : هي الرقبة المؤمنة ، أو يقال : إن كفارة الإيمان قد اتحد الحكم فيها مع كفارة القتل ؛ ففي كل وجب عتق رقبة ، واختلف سببهما ؛ إذ كفارة اليمين سببها اليمين ، وكفارة القتل سببها القتل ، والمطلق والمقيد متى اتحد حكمهما حمل المطلق على المقيد ، وإن اختلف سببهما ؛ متى وجدت علة جامعة بينهما ؛ فتكون الرقبة في كفارة اليمين محمولة على الرقبة في كفارة القتل ؛ فتقيد بالإيمان ، كما قيدت به في كفارة القتل ؛ لأن العلة التي تجمعهما : هي حرمة السبب . واحتج الإمام أبو حنيفة ومن معه بأن الآية غير مقيدة ، فهي شاملة للرقبة المؤمنة ، وللرقبة الكافرة ، والمطلق يجب بقاؤه على إطلاقه حتى يرد من الشرع ما يقيده ، ولم يرد ما يقيد الرقبة بالإيمان هاهنا ؛ فكانت باقية على إطلاقها ، فعتق الكافرة مجزئ كعتق المسلمة ، وليس حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم مع اختلاف السبب أمرا متفقا عليه ؛ بل نحن لا نقول به . وبالنظر في وجهة كلّ نجد أن مذهب الجمهور هو الراجح ؛ لأن الحديث المتقدم مقيد للآية ؛ فلم تبق على إطلاقها ، ولأن الكفارة عبادة يتقرب بها إلى اللّه عزّ وجل ؛ فوجب أن تكون خاصة بأهل عبادته من المؤمنين ؛ كمال الزكاة ، وذبائح النسك . نعم ، إن الإسلام دين الرحمة العامة ، والصدقة