تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
ودل قوله :
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً
على أن السارق في المصر ليلا أو نهارا لا يكون محاربا ، وإنما هو سارق تقطع يده دون رجله ؛ لأنه ذكر السعي في الأرض بالفساد ، والسارق في المصر لا يقال : سعى في الأرض ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - :
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
[ النساء : 101 ] لم يرد الضرب في المصر ، ولكن أراد الأسفار ؛ فعلى ذلك الأول . وأما الكلام في القتل والصلب والقطع : فروي عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال : « إذا حارب وقتل وأخذ المال - قطعت يده ورجله من خلاف وصلب ، فإن قتل ولم يأخذ المال - قتل ، وإن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف » « 1 » . وتأول الآية :
الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . .
الآية : على أن الواجب على المحارب من العقوبة له على قدر جنايته ، ويزاد في عقوبته بقدر زيادته في جرمه . وتأول غيره الآية : على أنها نزلت في المحارب الذي يصيب المال والنفس ، وإذا أصاب الأمرين كان للإمام أن يقتله كيف شاء : إن شاء قتله بالسيف قتلا ، وإن شاء قطع يده ورجله ثم يتركه حتى يموت ، وإن شاء صلبه حيّا « 2 » ، وإن أبطأ عليه الموت طعن بالرماح حتى يموت ؛ وإلى هذا كان يذهب أبو حنيفة ، رحمه اللّه . وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما اللّه - قالا : إذا صلب لم تقطع يده ورجله ؛ لأنه لا يجوز أن يجمع عليه الأمرين ، وإنما جعل اللّه له أحدهما بظاهر قوله :
أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ
، وجعلا عقوبته مختلفة على قدر جنايته ، إن قيل : فما معنى التخيير فيه ؟ قيل : معناه - واللّه أعلم - أن يقتل بالسيف ، أو يقتل بالصلب ، أو يقتل بقطع اليد والرجل « 3 » . وأصله : أن حرف التخيير إذا كان في متفق الأسباب يخرج مخرج التخيير ، من نحو : التخيير في كفارة اليمين « 4 » ، وكفارة الظهار « 5 » ، وكفارة المتأذي « 6 » ؛ لأن سبب وجوبه
هامش
( 1 ) أخرجه الشافعي في مسنده ( 2 / 173 ) ، رقم ( 282 ) ، والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 8 / 283 ) كتاب السرقة : باب قطاع الطريق ، والطبري ( 4 / 552 ) رقم ( 11833 ) . ( 2 ) ذكره السيوطي في الدر المنثور ( 2 / 93 ) وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء ومجاهد ، وأخرجه بنحوه الطبري ( 4 / 554 ) . ( 3 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 11 / 170 ) ، والقرطبي ( 6 / 99 ) . ( 4 ) وذلك لقوله - تعالى - :لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ . . .[ المائدة : 89 ] . ( 5 ) لقول اللّه - تعالى - :وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ . .. . . فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً[ المجادلة : 3 ، 4 ] . ( 6 ) وهي فدية حلق الرأس وشبهه ؛ لقول اللّه - تعالى - :. . . فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ . . .[ البقرة : 196 ] .