تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
لكل خير ، والتقوى : هي الانتهاء عن كل شرّ . ويجوز أن يكون ما ذكر في الآية الأولى وأمر به ، وهو قوله :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ . . .
إلى قوله :
الْبَيْتَ الْحَرامَ
يقول : عاونوهم على ما يأتون به من ذلك ؛ فإنهم إلى البر يقصدون عند أنفسهم ، وإن لم يكن فعلهم برّا ؛ لعبادتهم غير اللّه تعالى . وإنما أمروا بمعاونتهم ، وترك التعرض لهم - إن ثبت ما ذكر في القصة - : إذا أحرموا ، أو قلدوا ، أو قصدوا البيت الحرام في الوقت الذي جاز أن يعاهدوا فيه ؛ كما يجوز لنا معاهدة أهل الكتاب على ألا نعرض لكنائسهم « 1 » وبيعهم ، وإن كانوا يعصون اللّه فيها ؛ لأنهم يدينون بذلك ، ويقصدون به البرّ عند أنفسهم . فلما أمر « 2 » بنقض عهود مشركي العرب ، أمر بمنعهم من دخول المسجد ، وأن يقتلوا حيث وجدوا ، وإلى هذا المعنى ذهب أصحابنا - رحمهم اللّه ، واللّه أعلم - في فرقهم بين شهادة أهل الذمة على أمثالهم « 3 » ، وشهادة فسّاق المسلمين ؛ لأن أهل الذمة متدينون
هامش
( 1 ) في أ : لكتابهم . ( 2 ) في ب : أمروا . ( 3 ) يشترط إسلام الشاهد ؛ إذا كان المشهود عليه مسلما ؛ فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم ؛ لأن الشهادة فيها معنى الولاية ، ولا ولاية للكافر على المسلم . أما إذا كان المشهود عليه كافرا : فإسلام الشاهد ، هل هو شرط لقبول الشهادة عليه أو لا ؟ ذهب الشافعي ومالك وابن أبي ليلى والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية عنه - إلى أن : شهادة الكفار بعضهم على بعض غير مقبولة . وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن : شهادة بعضهم على بعض مقبولة ، لكنهم اختلفوا : فمنهم من قال : الكفر كله ملة واحدة ؛ فتقبل شهادة اليهودي على النصراني ، والنصراني على اليهودي ، وهذا قول حماد والثوري والبتي وأبي حنيفة وأصحابه . وعن قتادة والحكم وأبي عبيد وإسحاق : أن شهادة كل ملة بعضها على بعض مقبولة ، ولا تقبل شهادة يهودي على نصراني . واحتج المانعون بأن في قبول شهادتهم إكراما لهم ورفعا لمنزلتهم وقدرهم ، ورذيلة الكفر تنفي ذلك . ورد هذا بأنه ليس في قبول شهادتهم على بعض تكريم لهم ولا رفع لأقدارهم ، وإنما هو دفع شرهم عن بعض ، وإيصال أهل الحقوق منهم بقول من يرضونه ، وهذا من تمام مصالحهم التي لا غنى لهم عنها . واستدل القابلون بما يأتي : بقول اللّه - تعالى - :وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ[ الأنفال : 73 ] ؛ فأثبت لهم الولاية على بعضهم ، وهي أعلى رتبة من الشهادة . وبما ثبت في الصحيح : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رجم يهوديين زنيا بشهادة أربعة منهم . ولعل الذي ذهب إلى أن شهادة اليهودي على مثله جائزة لا على النصراني - يستدل بقول اللّه - تعالى - :وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ[ المائدة : 64 ] ، ويرد هذا بأن العداوة الدينية غير مانعة من قبول