تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
والثاني : أنه ما كان بمتروك له من التأنيب والتوبيخ والتعيير بسوء صنيعه بأخيه وتعديه حدّ اللّه وبمعونة ولي القتيل ؛ إذ قال :
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
[ المائدة : 32 ] فحق ذلك على الناس أن يظهروا له النكير عليه ، ويقوموا بالنصر لوليه - واللّه أعلم - إلا أن يكون خطأ ؛ فلا يتلقونه بشيء مما ذكرت ، بل يقومون بالشفاعة له ، والمعونة في احتمال ما لزمه ؛ ولذلك جعل - واللّه أعلم - أمر العقل على ما به من إبقاء الألفة ، ودفع الضغينة ، واجتماع [ التألم في المصيبة ] « 1 » . ومنهم من يقول في تأويل الآية :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ
أي : حرام عليه ذلك الفعل بما حرم اللّه ، وبما بينهما من الأخوة في الدين ، وبما هو شقيقه وجنسه ، يتألم [ بما يتألم به الآخر ] « 2 » ويتأذى الآخر ، والنفس عن مثله تنتهي ، والطبع ينفر ، فما كان له بعد هذا أن يقتل . وقوله - عزّ وجل - :
إِلَّا خَطَأً
قيل فيه بوجوه : أحدها : أن يقع ذلك منه على الخطأ ؛ فيكون على ما لا يلحقه اللائمة التي ذكرنا ، ولا وصف التعدي الذي وصفنا . والثاني : أن يكون الأمر في موضع الابتداء ؛ لما بين له من الحكم بمعنى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة ، لكن من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ؛ كقوله :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً
[ مريم : 62 ] بمعنى : لا يسمعون فيها لغوا البتة ، لكن الذي يسمعون : يسمعون سلاما . وقيل :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً
: إلا ألا يعلمه أنه مؤمن ، وكان عرفه كافرا ، له قتله بما روي من الإذن في البيات وقتل عيون الكفرة بما سبق من ظهور كفرهم ، وإن احتمل إيمانهم فيما بين الوقتين ؛ فيكون بمعنى : حرام عليهم إلا من هذا وصفه . ويجوز :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً
أي : [ ليس ] « 3 » لمؤمن ذلك قط إلا أن يقتل خطأ « 4 » ؛ فإنه ليس فيمن يقال كان له أو لا ؛ لما يقع به إلا « 5 » أن يفعله هو في التحقيق ؛ إذ حقيقة الفعل أن يقع بإرادة ويخرج عليها ، وهذا لا يقع بها ، ولا يخرج
هامش
( 1 ) في ب : للتألم للمصيبة . ( 2 ) في ب : مما يتألم الآخر . ( 3 ) سقط من ب . ( 4 ) ذكره بمعناه أبو حيان في البحر المحيط ( 3 / 333 ) . ( 5 ) في ب : لا .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 300 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم