تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
والشفاعة من أعظم ما احتيج إليها ؛ إذ قد جاء القرآن بها ، والآثار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والشفاعة في المعهود من الأمر تكون عند زلات يستوجب بها المقت والعقوبة ؛ فيعفي عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضا بهم ، ثم كانت الصغائر منّا لا يجوز التعذيب عليها عند القائلين بالخلود بالكبائر « 1 » ، والكبائر مما يعفى عنها بالشفاعة ؛ فإذن يبطل عظيم ما جاء من القرآن والآثار في الامتنان ، ويسقط ما جبل عليه أهل العلم باللّه وبرحمته ، ويبطل رجاء « 2 » المسلمين بشفاعة [ الرسل - عليهم السلام - ] « 3 » ولا قوة إلا باللّه . وقال بعضهم : الشفاعة تخرج على وجهين : الأول : على ذكر محاسن أحد عند آخر ؛ ليقرر له عنده المنزلة والرتبة . والثاني : أن يدعو له ؛ فالأول هو الذي يحتمل توجيه الشفاعة إليه ، والثاني قد بين بقوله :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ . . .
إلى قوله :
الْعَظِيمُ
[ غافر : 7 - 9 ] وقوله - تعالى - :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء : 28 ] ، والخوف يدل على وجهين : الشفاعة ؛ لأن المرتضى هو ذو منزلة وقدر ، وهو ممن تضمنته آية شفاعة الملائكة ؛ فيقال : الوجه الأول في الآخرة لا معنى له ؛ لوجهين : أحدهما : أنه في تقرير الأمر عند من يجهله ، واللّه - جل ثناؤه - هو العليم بحقيقة ذلك ، بل غيره مما يجوز عليهم خفاء الحقائق ؛ كقوله تعالى :
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا . . .
الآية [ المائدة : 109 ] ، وقال عيسى - عليه السلام - :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ . . .
الآية [ المائدة : 117 ] ؛ وكأن في ذلك أن الحقائق في ذلك عند اللّه ، وهم تبرءوا عن العلم بذلك ، وأقروا بأن اللّه هو المنفرد بعلم ذلك ، وباللّه التوفيق . والثاني : أن ثمة كتبا يقرأ فيها أعمال بني آدم وما سبق منهم من صغير وكبير ؛ فهي الكافية في التقدير إن كان في حق الاحتجاج ، وإن كان في حق الإعلام - فعلم اللّه بهم مغن عن ذلك ، ولا قوة إلا باللّه . وأما الدعاء : فكذلك نقول بالدعاء لمن له ذلك الوصف ، ويشفع له فيما كان في ذلك منه من المآثم والذنوب ، لا أنه إذا كان كل أفعالهم ذلك ، فيشفع لهم ؛ لأنه لا يجوز في الحكمة تعذيبهم ، على ما ذكر من الأفعال ، بل لهم عليها أعظم الثواب ، وأرفع المأوى .
هامش
( 1 ) في ب : في الكبائر . ( 2 ) في ب : دعاء . ( 3 ) في ب : اللّه .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 281 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم