تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
يسقط بقيام البعض عن الباقين ؛ لأنه قال :
فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً
أمر بنفير
هامش
- [ التوبة : 36 ] وعلى الكفاية : بقوله - عزّ وجل .فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى[ النساء : 95 ] وبقوله تعالىوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[ التوبة : 122 ] ، وأقل ما يفعل مرة في كل عام . قال ابن قدامة في تعليل ذلك : لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام وهي بدل القدرة ؛ فكذا مبدلها وهو الجهاد . فيجب في كل عام مرة إلا من عذر مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة ، أو يكون ينتظر المدد يستعين به ، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع أوليس فيها علف أو ماء ، أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام ، فيطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال ؛ فيجوز تركه بهدنة ؛ فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد صالح قريشا عشر سنين ، وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده . وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب ذلك ؛ لأنه فرض كفاية ؛ فوجب منه ما دعت الحاجة إليه ، وقد خالف في الفريضة ابن شبرمة والإمام الثوري وقالا : إن القتال غير واجب ولا يصح قتال الكفار حتى يبدءونا ؛ لقوله تعالى :وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ[ البقرة : 190 ] وقوله جل شأنه :فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ[ البقرة : 191 ] وهكذا روى عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - وسئل عطاء ، وعمرو بن دينار : الغزو أواجب ؟ قالا : ما علمناه واجبا . وخالف في الكفاية ابن المسيب ، وقال : إنه فرض عين في الأحوال كلها ؛ لقوله تعالى :انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا[ التوبة : 41 ] ، وقوله :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ[ البقرة : 216 ] ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من مات ولم يغز ، ولم يحدّث نفسه بالغزو - مات على شعبة من النفاق » . ولكن النصوص الصريحة تبطل هذا القول . وعمل الرسول - عليه السلام - « خصه ، فإنه لو كان فرض عين في الأحوال كلها لما وعد اللّه القاعدين بالحسنى في قوله - تعالى - :لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[ النساء : 95 ] الآية ولما قعد عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، واكتفي ببعث السرايا ولا أذن لغيره بالتخلف ، ولأن فريضة القتال المقصود إعزاز الدين ، وقهر المشركين ؛ فإذا حصل هذا المقصود بالبعض سقط عن الباقين . ولأن في جعله فرض عين - حرجا عظيما ؛ حيث تتعطل أمور الناس من زراعة ، وتجارة إذا خرجوا جميعا للجهاد . والحرج منتف .وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[ الحج : 78 ] . ويكون الجهاد فرض عين بلا خلاف بين الفقهاء ؛ إذا هجم العدو على بلد من بلاد المسلمين ؛ فيتعين على كل واحد من آحادهم ممن هو قادر عليه ؛ لأن الوجوب على الكل ثابت بالنصوص . وسقوطه عن البعض بحصول المقصود بالبعض الآخر . فإذا لم يتحقق الدفع إلا بالكل - يبقى فرضا عينيا عليهم جميعا ؛ كالصلاة ، والصوم . . . إذا التقى الزحفان ، وتقابل الصفان ؛ فيحرم على من حضر الانصراف ، ويتعين عليه المقام ، إلا متحرفا لقتال ، أو متحيزا إلى فئة ، وما دام الكفار لم يزيدوا على ضعف عدد المسلمين ؛ قال تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ الأنفال : 45 ] وقال جل شأنهيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[ الأنفال : 15 - 16 ] . وإذا استنفرهم الإمام ؛ لقوله - عزّ وجل - :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ