ذلك ، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم ، ولو بين كان أصلح لهم في الدين ؛ فدل أن اللّه - عزّ وجل - قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في الدين ؛ امتحانا وابتلاء منه لهم ، واللّه أعلم .
لكن لا يخرج من الحكمة ، ثم ما قالوه في الأمر حق ؛ لأنه لا يأمر إلا أن يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح ، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ذلك أصلح لهم في الدّين ، بمعنى : أقرب وأدعى إليه ، واللّه الموفق .
وقال قوم : المحكم : ما في العقل بيانه .
والمتشابه : ما لا يدرك في العقل ؛ وإنما يعرف بمعونة السمع .
وقال قوم : لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر « 1 » ونهي « 2 » وحلال « 3 » وحرام « 4 » ؛ وإنما
هامش
- الدين فقط . ثم اختلفوا أيضا في المراد بالأصلح :
فعند البغدادية : الأصلح : الأوفق في الحكمة والتدبير .
وعند البصرية : الأصلح : الأنفع .
ووجهة المعتزلة فيما ذهبوا إليه أنهم يرون أن اللّه - عزّ وجل - عادل غير ظالم ، حكيم ، وخلق الأشياء كلها لصالح العباد ، فبمقتضى عدله - تعالى - لا تصدر أفعاله - سبحانه - إلا على وجه الصواب والمصلحة . وبمقتضى حكمته يكون كل ما في العالم من أجل خير الإنسان ورعاية مصالح العباد .
أما مذهب أهل السنة والجماعة فإنهم لا يوجبون عليه تعالى شيئا ؛ إذ إنه - تعالى - فاعل بالاختيار ، ولو وجب عليه فعل أو ترك لما كان مختارا ؛ لأن المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك .
وأما الآيات الدالة على الوجوب عليه - تعالى - نحو :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] فمحمولة على أن المراد بها : الوعد تفضلا .
وكذلك الأحاديث الدالة على ذلك .
انظر : حاشية البيجوري على الجوهرة ( ص / 75 - 76 ) ، أصول الدين للبزدوي ( 126 ) .
( 1 ) الأمر في اللغة ضد النهي ويجمع على أمور . وقال الجوهري : أمر مصدر أمره .
واصطلاحا : عرفه المصنف بأنه القول الذي هو دعاء إلى تحصيل الفعل على طريق العلو والعظمة دون التضرع .
وقيل : هو القول الدال على طلب الفعل على جهة الاستعلاء ، وصيغته : افعل ، وهي مستعملة في اللغة في ستة عشر موضعا : الأول : الأمر . الثاني : الإذن . الثالث : الإرشاد . الرابع : التأديب .
الخامس : التهديد . السادس : التسوية . السابع : الإهانة . الثامن : الاحتقار . التاسع : الامتنان .
العاشر : الإكرام . الحادي عشر : الدعاء . الثاني عشر : التعجيز . الثالث عشر : التكوين . الرابع عشر : التمني . الخامس عشر : الإنذار . السادس عشر : الخبر .
انظر : ميزان الأصول ( 1 / 200 ) ، اللسان ( 1 / 125 ) ( أمر ) .
( 2 ) النهي خلاف الأمر ، يقال : نهاه ينهاه نهيا : كفه ، فانتهى وتناهى : كف . وفعله يائي واوي يقال في اليائى : نهيته ، ويقال في الواوى : نهوته ، وجاء في كلام اللّه - عزّ وجل - :كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ[ المائدة : 79 ] . -