تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وقوله تعالى :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ :
مِنْ خَيْرٍ ،
أي : مال ،
فَلِأَنْفُسِكُمْ ،
يعنى : فلأنفسكم الثواب . [ و ] قيل قوله :
فَلِأَنْفُسِكُمْ ،
يعنى : منفعته لكم . وفي قوله :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
دلالة على أنهم كانوا يتحرجون بالتصدق على أقربائهم من الكفار خشية ما يقع من التعاون على ما اعتمدوا من الدين ؛ إذ المكاسب لكل أهل دين إنما تقع من العقلاء مكان ما ينفقون به لأجل الدين ؛ فبين جل وعلا : أن ذلك يقع لكم ولأنفسكم ، وتكفير ما ارتكبتم . ثم في الآية دلالة جواز الصدقة على الكفار ، ودليل جواز دفع الكفارات إليهم بقوله :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ؛
فهو دليل لأصحابنا ؛ لأنه جعل هذه الصدقة مكفرة . وقوله تعالى :
يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ،
يعنى : يوفر عليكم ثواب صدقاتكم ، وإن كان التصدق على الكفرة . وقوله تعالى :
وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ،
في حرمان الثواب والجزاء . وقوله تعالى :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ .
قيل :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قيل :
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي : من سبيل اللّه ، يعنى : حبسوا بالفقر عن الجهاد ، وهو كقوله :
وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ
[ التوبة : 91 ] . والعرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض . ويحتمل قوله تعالى :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ،
أي : حبسوا أنفسهم في طاعة اللّه ، لا يجدون ما يتجرون ، ولا ما يحترفون ، ولا ما يكتسبون . وقوله تعالى :
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ :
للتجارة . وقوله تعالى :
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
يحتمل وجهين : يحتمل : لا يظهرون السؤال ، أي : لا يسألون ؛ كقوله تعالى :
وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ
[ البقرة : 123 ] ، أي : لا يشفع لهم . ويحتمل : فإن كان على السؤال فإنهم إذا سألوا لم يلحفوا ، دليله قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من فتح على نفسه بابا من المسألة ، فتح اللّه عليه سبعين بابا من الفقر » « 1 » . ثم ذكر في الخبر : « من
هامش
( 1 ) طرف من حديث أبي كبشة الأنمارى . أخرجه أحمد ( 4 / 231 ) ، والترمذي ( 2325 ) ، وابن ماجة ( 4228 ) .